Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

أكثر من 108 ملايين دولار تضخ في الشركات الناشئة المغربية خلال 2025

دخلت الشركات الناشئة المغربية سنة 2025 بأرقام استثمارية غير مسبوقة، بعدما نجحت في استقطاب 108.44 ملايين دولار من رأس المال الجريء، موزعة على 48 جولة تمويل، لتسجل بذلك أعلى قيمة تمويلية في تاريخ المنظومة الناشئة بالمغرب.

 

المعطى اللافت لا يرتبط فقط بحجم الأموال، بل أيضاً باتساع دائرة الشركات المستفيدة منها. فعدد عمليات التمويل ارتفع من 40 عملية في 2024 إلى 48 خلال السنة الماضية، بينما انتقلت قيمة الاستثمارات من 94.96 ملايين دولار إلى 108.44 ملايين دولار، في وقت لم تكن فيه الحصيلة تتجاوز 33.26 ملايين دولار سنة 2023.

 

وتشير هذه الأرقام، الواردة في تقرير «Morocco Startup Ecosystem 2025» الصادر عن جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، إلى أن السوق بدأت تتخلص تدريجياً من اعتمادها الكبير على الصفقات الاستثنائية. ففي 2024، كانت أكبر ثلاث جولات مسؤولة عن 64.7% من إجمالي التمويلات، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 33.66% في 2025.

 

بمعنى آخر، لم تعد حركة رأس المال محصورة في عدد قليل من الشركات، بل بدأت تصل إلى مشاريع أكثر، وهو تطور يعتبر من المؤشرات المهمة على توسع قاعدة المنظومة الاستثمارية.

 

وتظهر الصورة بشكل أوضح عند تفكيك التمويلات حسب مراحل نمو الشركات. فقد استحوذت مرحلة ما قبل البذرة على العدد الأكبر من العمليات بـ18 جولة، متقدمة على مرحلة البذرة التي سجلت 17 جولة.

 

أما قيمة الجولة الوسيطة، فبلغت نحو 530 ألف دولار في مرحلة ما قبل البذرة، و1.10 مليون دولار في مرحلة البذرة، قبل أن ترتفع إلى 3.28 ملايين دولار في مرحلة ما قبل السلسلة «A»، وتصل إلى 7.50 ملايين دولار في السلسلة «A».

 

والأبرز كان في المنطقة الفاصلة بين التمويل الأولي والنمو المتقدم. فمرحلة ما قبل السلسلة «A» انتقلت من جولتين فقط في 2024 إلى سبع جولات في 2025، بإجمالي 20.82 مليون دولار.

 

هذا التطور يعكس، إلى حد كبير، ارتفاع عدد الشركات التي بدأت تخرج من مرحلة التجربة وبناء المنتج إلى مرحلة البحث عن موارد تمكنها من توسيع نشاطها.

 

وفي السلسلة «A»، سجلت السوق ست عمليات بقيمة إجمالية بلغت 51.41 مليون دولار. ورغم أن الرقم أقل من 62.50 مليون دولار المسجلة في 2024، فإن المقارنة المباشرة قد تكون مضللة بسبب صفقة استثنائية كبيرة عرفها قطاع تكنولوجيا السفر خلال 2024.

 

وباستبعاد تلك الصفقة، يتبين أن تمويلات السلسلة «A» قفزت بأكثر من ثلاثة أضعاف، من حوالي 14.50 مليون دولار إلى 51.41 مليون دولار.

 

غير أن الطريق لا يبدو مكتملًا بعد. فأكبر فجوة تظهر عند مستوى السلسلة «B»، التي لم تسجل أي عملية تمويل معلنة خلال 2025.

 

وهذه المرحلة تحديداً تعد حاسمة للشركات التي أثبتت قدرتها على العمل وتحقيق النمو، لأنها تحتاج إلى رؤوس أموال أكبر للانتقال إلى التوسع، سواء من خلال زيادة عدد الموظفين، أو الاستثمار في التكنولوجيا، أو تعزيز التسويق، أو دخول أسواق جديدة.

 

غياب هذا النوع من التمويل قد يدفع الشركات المغربية الأكثر تقدماً إلى البحث عن مستثمرين خارج المملكة، خصوصاً عندما تصبح حاجتها إلى رأس المال أكبر من قدرة السوق المحلية على الاستجابة.

 

ولا تنتهي معادلة رأس المال الجريء عند ضخ الأموال. فالمستثمر يحتاج في النهاية إلى استعادة استثماره وتحقيق عائد، وهو ما يجعل التخارج جزءاً أساسياً من دورة التمويل.

 

وفي هذا الجانب، لا تزال السوق المغربية في مرحلة مبكرة، إذ لم تنفذ غالبية صناديق رأس المال الجريء المحلية أكثر من عملية تخارج واحدة، بحسب التقرير.

 

ومع ذلك، شهد العام الماضي بعض التحركات المهمة، من بينها استحواذ «ORA Technologies» على «Cathedis»، المتخصصة في خدمات التوصيل للمرحلة الأخيرة، واستحواذ «Logidoo» على «Kamtar»، إلى جانب إدراج «Cash Plus» في بورصة الدار البيضاء.

 

هذه العمليات لا تكفي بعد لإعطاء السوق طابعاً ناضجاً على مستوى الاندماجات والاستحواذات، لكنها تفتح الباب أمام تطوير مسارات جديدة للتخارج، وهو أمر ضروري لإعادة تدوير رأس المال وتمويل شركات ناشئة أخرى.

 

قطاعياً، بقيت التكنولوجيا المالية في مقدمة القطاعات الأكثر جذباً للاستثمار، مستفيدة من التوسع المتواصل في الخدمات المالية الرقمية والدفع والائتمان. كما حافظت التكنولوجيا الزراعية على حضورها ضمن القطاعات غير المالية، بينما بدأت التكنولوجيا العقارية في تسجيل اهتمام استثماري متزايد.

 

أما الدار البيضاء، فواصلت احتفاظها بموقعها كمركز رئيسي للنشاط، بعدما استحوذت على 28 جولة من أصل 48، أي ما يعادل 75.12% من إجمالي رؤوس الأموال المعلنة.

 

وفي الوقت نفسه، أصبح المستثمر الأجنبي أكثر حضوراً داخل المشهد. فقد شارك مستثمرون دوليون في 56.25% من عمليات التمويل، واستحوذوا على 67.92% من إجمالي رأس المال المعلن.

 

كما شكلت الجولات التي شارك فيها مستثمران أو أكثر 56.25% من مجموع العمليات، لكنها استأثرت بـ84.72% من الأموال التي تم جمعها، ما يبرز الدور الذي تلعبه الشراكات الاستثمارية في تمويل الشركات المغربية عندما تنتقل إلى مراحل أكثر تقدماً.

 

وعلى مستوى المؤسسين، شملت الدراسة 98 مؤسساً يقودون 47 شركة ناشئة حصلت على تمويل. وتكشف البيانات عن خلفية أكاديمية ومهنية قوية، إذ يحمل نحو 85% منهم شهادات دراسات عليا، فيما يمتلك قرابة 80% خبرة مهنية لا تقل عن خمس سنوات قبل تأسيس شركاتهم.

 

لكن مشاركة النساء في هذه المنظومة لا تزال محدودة، إذ لم تتجاوز نسبتهن بين مؤسسي الشركات التي حصلت على التمويل 15.31%. ورغم ذلك، تظهر المعطيات أن النساء اللواتي وصلن إلى التمويل الاستثماري يتولين أدواراً قيادية داخل شركاتهن، بما في ذلك مناصب الإدارة العامة.

 

حصيلة 2025 تقدم إذاً صورة مزدوجة عن واقع الشركات الناشئة في المغرب. فمن جهة، هناك ارتفاع في التمويلات واتساع في عدد العمليات وتزايد حضور المستثمرين الدوليين. ومن جهة أخرى، لا تزال هناك حلقات مفقودة، أبرزها تمويل مراحل التوسع وغياب جولات السلسلة «B» وضعف عمليات التخارج.

 

ولهذا، فإن التحدي المقبل لن يكون في الوصول إلى رقم تمويلي أكبر فقط، وإنما في تحويل الأموال التي تدخل السوق إلى شركات قادرة على الاستمرار والنمو خارج حدودها.

 

نجاح المنظومة في السنوات المقبلة سيقاس بقدرتها على بناء دورة استثمارية كاملة: رأس مال يدخل، شركات تنمو، مستثمرون يخرجون بعوائد، ثم تعود الأموال من جديد إلى مشاريع ناشئة أخرى.

 

وعندما تكتمل هذه الحلقة، سيكون بإمكان المغرب الانتقال من مرحلة امتلاك شركات ناشئة واعدة إلى مرحلة إنتاج شركات تكنولوجية قادرة على المنافسة والتوسع على المستوى الإقليمي والدولي.

Exit mobile version