Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

استفسار بالبرلمان عن تفويت 50 مليون درهم من صفقات المراكز الاستشفائية لشركة واحدة

يستمر الجدل داخل البرلمان المغربي بشأن تضارب المصالح في القطاعات الحكومية، خصوصا في الملفات المرتبطة بصفقات الأدوية والمستلزمات الطبية. النقاش عاد بقوة إلى الواجهة بعد تدخل النائبة البرلمانية نبيلة منيب خلال اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية، حيث وجهت انتقادات لاذعة لما وصفته بعرقلة ممنهجة لتشكيل لجان تقصي الحقائق حول قضايا حساسة، بدءاً من دعم استيراد اللحوم وصولاً إلى صفقات الأدوية.
وأكدت منيب أن المنظومة الصحية تعرف اليوم تفكيكاً واضحاً لصالح مقاربة تقوم على التسليع والربح، مبرزة أن تنازع المصالح داخل القطاع أصبح يُهدّد حق المغاربة في الولوج إلى علاج آمن وبأسعار معقولة. وأشارت إلى أن شركات الأدوية عالمياً تتمتع بنفوذ كبير، وأن العديد منها تصدر في حقه أحكام ضخمة بسبب تصنيع أدوية لا تراعي الصحة العامة، معتبرة أن جزءاً كبيراً من الأدوية المتداولة لا يقدم علاجاً فعالاً بقدر ما يجعل المريض في حالة ارتباط دائم بها.
وخلال الاجتماع نفسه، حذّرت منيب من أن غلاء الأدوية يثقل كاهل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وينذر بهزات مالية خطيرة، خاصة مع ضعف انتشار الأدوية الجنيسة مقارنة بما تفرضه القدرة الشرائية للمغاربة. وتساءلت بحدة عن خلفيات تفويت صفقات بقيمة 50 مليون درهم من طرف المراكز الاستشفائية الجامعية لفائدة شركة واحدة، متهمةً الحكومة بتجاهل مقترحات قوانين سابقة قدمتها عدة فرق برلمانية لتنظيم تضارب المصالح داخل المؤسسات العمومية.
ورغم تعدد المطالب السياسية والحقوقية الداعية إلى تجريم تضارب المصالح، فإن إخراج هذا القانون التأطيري لا يزال بعيداً، رغم إعلان الحكومة قبل سنوات عن إعداد مشروع قانون في طور الصياغة. ويعتبر العديد من الفاعلين أن هذا التأخير يعرقل تفعيل الفصل 36 من الدستور الذي ينص صراحة على معاقبة المخالفات المرتبطة بتضارب المصالح واستغلال مواقع النفوذ وإبرام الصفقات العمومية بشكل غير مشروع.
ويأتي الجدل اليوم بالتزامن مع توالي شبهات تضارب المصالح داخل الحكومة، سواء تعلق الأمر بملف غاز تندرارة أو صفقات تحلية المياه أو قطاع السيارات، وصولاً إلى صفقة الأدوية التي أعادت النقاش إلى نقطة الصفر. ويرى عدد من المختصين أن غياب قانون زجري واضح يجعل المخالفات المرتبطة بهذا السلوك غير معاقب عليها فعلياً، وهو ما يؤدي إلى استمرار تجليات الفساد داخل أجهزة الدولة دون إمكانية ملموسة للمحاسبة.
وفي هذا السياق، يؤكد عدد من الحقوقيين أن المستفيدين من تعثر إصدار قانون تضارب المصالح هم بالأساس المتورطون في شبكات المصالح الاقتصادية والسياسية، معتبرين أن غياب إرادة سياسية حقيقية لمكافحة الفساد يساهم في تعطيل مقتضيات الدستور ويجعل مبادئ النزاهة والشفافية مجرد شعارات. ويعتبرون أن النقاش الحاصل اليوم حول تضارب المصالح ليس قانونياً فقط بل سياسي وأخلاقي أيضاً، ما دام الإطار التشريعي لا يوفر حتى الآن أي حماية من هذا النوع من التجاوزات.
ورغم أن القانون المغربي يضع بعض الموانع لممارسة الأنشطة الخاصة بالنسبة لأعضاء الحكومة والمنتخبين والقضاة وعدد من الفئات الأخرى، إلا أن هذه النصوص تظل غير كافية لتغطية كل حالات تضارب المصالح. كما أن المادة 245 من القانون الجنائي، التي تجرّم بعض صور الاستفادة غير المشروعة، تظل محدودة للغاية ولا تشمل سوى حالات ترتبط بالعقود أو السمسرة أو التدبير المباشر للمؤسسات، دون أن تغطي الواقع المتعدد والمتشابك لمظاهر تضارب المصالح، سواء داخل القطاع العام أو في علاقته بالقطاع الخاص والمهن الحرة.
وتشير تقارير مؤسساتية إلى أن محدودية الحالات المرصودة وطنياً لا تعني غياب الظاهرة، بل تكشف عجزاً هيكلياً عن رصدها وضبطها في ظل غياب تعريف قانوني دقيق وتدابير مؤسساتية قادرة على المعالجة والتصحيح. وتؤكد هذه التقارير أن سلوك تضارب المصالح بطبيعته قادر على التخفي، ويستند غالباً إلى شبكات علاقات معقدة تمتد إلى الأقارب أو الشركاء التجاريين أو المهنيين، فضلاً عن تفويت الشركات أو نقل أسهمها للتحايل على الموانع القانونية، كما حدث في ملفات أثيرت مؤخراً بخصوص شركات محسوبة على وزراء تولى أقاربهم إدارتها بعد توليهم مناصب حكومية.
وخلال اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية، اكتفى وزير الصحة بالإشارة إلى أن الصفقات تبرم مع الشركات وليس مع الأشخاص، مضيفاً أن تطوير الإطار القانوني لتضارب المصالح مسؤولية جماعية تقع بالأساس على عاتق البرلمان. وأكد أن وزارته ملتزمة بتطبيق القوانين القائمة كما هي، رغم إقراره الضمني بأن المنظومة التشريعية الحالية تعاني نقصاً كبيراً في هذا المجال.
ويبدو أن مشروع القانون المتعلق بتضارب المصالح، الذي أعلنت عنه الحكومة قبل سنتين، أصبح في حكم الغائب، إذ لم تتم مناقشته ولم يُدرج ضمن أجندة التشريع رغم انتقادات واسعة حول محدودية العقوبات المقترحة فيه. كما أن المبادرات البرلمانية المقدمة في الموضوع مصيرها الإهمال، خصوصاً في ظل رفض الحكومة مناقشة المقترحات التي تتقاطع مع مشاريع تعتبر أنها تشتغل عليها.
ويجمع المراقبون على أن استمرار غياب إطار قانوني صارم لتجريم تضارب المصالح يجعل مسار تخليق الحياة العامة محفوفاً بالعراقيل، ويحدّ من إمكانيات ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يفتح الباب واسعاً أمام تفشي الممارسات التي تقوض ثقة المواطنين في المؤسسات وتشجع على الإفلات من العقاب في ملفات تتعلق بالمال العام والصفقات العمومية.

Exit mobile version