كشف تحقيق استقصائي حديث أن الاتحاد الأوروبي صدّر، خلال سنة 2024، ما يقارب 122 ألف طن من المبيدات الحشرية المحظورة داخل أراضيه، في خطوة تعكس تناقضاً واضحاً مع التزامات بروكسيل المعلنة بشأن حماية البيئة والصحة العامة.
ويأتي ذلك رغم تعهد المفوضية الأوروبية، منذ سنوات، بوضع حد نهائي لهذه الممارسة في إطار استراتيجيتها الجديدة للمواد الكيماوية.
وأوضح التحقيق أن الجزء الأكبر من هذه الشحنات وُجّه إلى دول ذات دخل منخفض ومتوسط، حيث تكون أنظمة المراقبة أضعف، وتزداد مخاطر التعرض للمواد السامة على الإنسان والبيئة.
كما كشف التقرير عن تورط شركات كبرى متخصصة في الصناعات الكيماوية الزراعية، من بينها مجموعات مقرها أوروبا، في استمرار إنتاج هذه المبيدات وتسويقها خارج القارة، رغم حظر استخدامها داخل الاتحاد الأوروبي.
وبحسب المعطيات نفسها، فقد وافقت الدول الأعضاء خلال السنة الماضية على تصدير كميات تفوق بكثير ما كان عليه الوضع قبل سنوات، مسجلة ارتفاعاً يناهز 50 في المائة مقارنة بسنة 2018.
ويُعزى هذا الارتفاع إلى حظر عشرات المواد الكيماوية منذ ذلك التاريخ، ما جعلها تُدرج تلقائياً ضمن قائمة المبيدات التي لا يُسمح باستعمالها محلياً، لكنها تبقى مسموحة للإنتاج والتصدير.
وسجل التحقيق أن هذه السياسة تكرس مفارقة لافتة، إذ يدعو الاتحاد الأوروبي إلى بناء نموذج بيئي خالٍ من السموم داخل حدوده، في الوقت الذي يسمح فيه بتصدير مواد خطِرة إلى دول أخرى.
وفي هذا السياق، تم تصدير نحو تسعة آلاف طن من المبيدات المحظورة إلى القارة الإفريقية خلال العام الماضي، وكان المغرب وجنوب إفريقيا من أبرز الدول المستقبِلة.
ونقل التقرير عن مقرر أممي معني بالمواد السامة وحقوق الإنسان إدانته الشديدة لهذه الممارسات، واصفاً إياها بـ«ازدواجية المعايير»، ومؤكداً أن صحة وحياة سكان الدول المستورِدة لا تحظى بالقيمة نفسها مقارنة بمواطني الدول المنتِجة.
كما حذّر من خطورة عدد من المواد المصدّرة، من بينها مركبات يُشتبه في تسببها بالسرطان، وأخرى تؤثر سلباً على الخصوبة والتكاثر، إضافة إلى مبيدات قاتلة للنحل ومهددة للتوازن البيئي.
ورغم التحذيرات العلمية المتكررة، يبرز التحقيق أن شركات كبرى، خصوصاً في ألمانيا وسويسرا، ما تزال تتصدر قائمة المصنعين والمصدّرين لهذه المواد، مع احتلال ألمانيا موقع الصدارة أوروبياً.
وفي المقابل، أكدت المفوضية الأوروبية أنها تدرك خطورة الوضع، وأنها أطلقت تقييماً للأثر منذ سنة 2023 بهدف منع إنتاج وتصدير أخطر المواد الكيماوية المحظورة، غير أن هذه الوعود لم تجد طريقها بعد إلى التطبيق الفعلي، وسط ضغوط قوية يمارسها لوبي الصناعات الكيماوية الزراعية.

