Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

البنك الدولي: المغرب سيظل بحاجة إلى استيراد جزء من غذائه رغم الإصلاحات.. والمياه والاستثمار مفتاح الأمن الغذائي

حذر البنك الدولي من أن المغرب سيظل، خلال العقود المقبلة، في حاجة إلى استيراد جزء من احتياجاته الغذائية، حتى مع مواصلة إصلاح القطاع الزراعي، معتبراً أن تحقيق أمن غذائي أكثر استدامة لن يعتمد على زيادة الإنتاج وحدها، بل على تحسين إدارة الموارد المائية، وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الأعلى مردودية، وتعزيز دور القطاع الخاص في سلاسل الإنتاج الزراعي.

وجاء ذلك في تقرير جديد للبنك الدولي بعنوان “تعزيز الأمن الغذائي وخلق فرص العمل: مسارات السياسات للمنطقة”، والذي تناول التحديات التي تواجه بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومن بينها المغرب، في ظل تصاعد آثار التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية وتزايد الاعتماد على الأسواق الدولية لتأمين جزء من الاحتياجات الغذائية.

المياه في صدارة الأولويات

واعتبر التقرير أن ندرة المياه تمثل التحدي الأكثر إلحاحاً أمام مستقبل الزراعة في المغرب والمنطقة، مشيراً إلى أن رفع الإنتاج الغذائي لن يتحقق من خلال توسيع المساحات المزروعة، وإنما عبر تحسين إنتاجية المياه، وتحديث أنظمة الري، والاستثمار في التكنولوجيا والابتكار.

وبحسب البنك الدولي، فإن استثمارات سنوية تقدر بنحو 5.7 مليارات دولار في مجالات الري والابتكار يمكن أن تضاعف إنتاج الفواكه والخضروات، وترفع إنتاجية الحبوب بنسبة تصل إلى 72 في المائة بحلول عام 2050، مع تقليص استهلاك مياه الري بنحو 7 في المائة.

وأشار التقرير إلى أن القطاع الزراعي يستهلك حالياً نحو 87 في المائة من الموارد المائية في المنطقة، في وقت يتراجع فيه نصيب الفرد من المياه العذبة إلى مستويات تعد من الأدنى عالمياً، ما يجعل تحسين كفاءة استخدام المياه شرطاً أساسياً لاستدامة الإنتاج الزراعي.

واستشهد التقرير بالحالة المغربية، موضحاً أن الأراضي المسقية لا تمثل سوى نحو خمس المساحات المزروعة، لكنها تنتج أكثر من نصف القيمة المضافة للقطاع الفلاحي، فيما ترتفع مساهمتها إلى نحو ثلاثة أرباع الإنتاج خلال سنوات الجفاف، وهو ما يعكس الأهمية الاقتصادية للاستثمار في شبكات الري المقتصد للمياه.

كما أظهرت معطيات التقرير أن توالي موجات الجفاف بين عامي 2016 و2023 أدى إلى تراجع مردودية الحبوب بنسبة 40 في المائة، وانخفاض المساحات المزروعة بنحو 44 في المائة، بالتزامن مع ارتفاع واردات القمح بحوالي 30 في المائة.

الاستيراد سيظل جزءاً من المعادلة

ورغم دعوته إلى تسريع الإصلاحات الزراعية، يرى البنك الدولي أن المغرب سيواصل الاعتماد على استيراد جزء من حاجياته الغذائية، خصوصاً الحبوب والزيوت والسكريات، حتى مع تنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة.

وأوضح التقرير أن هذا الواقع لا يتعارض مع تعزيز الإنتاج المحلي، بل يستدعي توجيه الاستثمارات نحو المنتجات التي يمتلك فيها المغرب مزايا تنافسية، وعلى رأسها الفواكه والخضروات، مع الحفاظ على انفتاح التجارة لضمان استقرار الإمدادات الغذائية.

وأشار إلى أن بلدان المنطقة تستورد، في المتوسط، نحو 39 في المائة من السعرات الحرارية التي تستهلكها، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق الدولية والصدمات الجيوسياسية.

وفي المقابل، سجل المغرب تقدماً في صادرات المنتجات الزراعية ذات القيمة المضافة، إذ ارتفعت حصة الفواكه والخضروات الموجهة للتصدير من 15 إلى 20 في المائة من إجمالي الإنتاج، مستفيداً من توسع علاقاته التجارية مع الاتحاد الأوروبي، بينما ظل إنتاج الحبوب أكثر تأثراً بالتقلبات المناخية واعتماده على الزراعة البورية.

الاستثمار والقطاع الخاص

ويرى البنك الدولي أن إصلاح إدارة المياه وحده لن يكون كافياً لتعزيز الأمن الغذائي، ما لم يترافق مع تحسين مناخ الأعمال، وتعبئة استثمارات جديدة، وتطوير سلاسل القيمة الزراعية، وتسهيل الولوج إلى التمويل.

وبحسب التقرير، فإن الاستثمار في الصناعات الغذائية واللوجستيك وسلاسل التبريد والتخزين والرقمنة يمكن أن يعزز القيمة المضافة للقطاع، ويوفر فرصاً أكبر للتشغيل، خاصة خارج الضيعات الفلاحية.

كما أبرز التقرير التجربة المغربية في تطوير الصناعات المرتبطة بالفلاحة، ولا سيما في تثمين الفواكه والزيتون وتعليب الأسماك، معتبراً أنها ساهمت في خلق فرص عمل ورفع القيمة الاقتصادية للمنتجات الزراعية.

ويتوقع البنك الدولي أن يؤدي تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز مشاركة القطاع الخاص إلى خلق نحو خمسة ملايين فرصة عمل إضافية في قطاع الأغذية الزراعية على مستوى المنطقة بحلول عام 2050.

إعادة توجيه الدعم

وفي جانب آخر، دعا التقرير إلى مراجعة سياسات الدعم الغذائي والزراعي، معتبراً أن توجيه الإنفاق نحو الابتكار، والتكيف مع التغيرات المناخية، وتحسين كفاءة استخدام المياه، سيكون أكثر مردودية من توسيع برامج الدعم التقليدية.

وأشار إلى أن المغرب يعد من أكبر المستثمرين عمومياً في القطاع الزراعي على مستوى المنطقة، إذ استحوذ على نحو 18 في المائة من إجمالي الإنفاق الزراعي العمومي في الدول التي شملتها الدراسة خلال عامي 2022 و2023، بينما يخصص جزء من هذا الإنفاق لدعم البذور والمعدات الزراعية وتشجيع صادرات المنتجات ذات القيمة المضافة.

كما لفت التقرير إلى أن نحو 14 في المائة من المغاربة لا يستطيعون تحمل كلفة نظام غذائي صحي، وهو معدل يقل عن المتوسط الإقليمي، لكنه يعكس استمرار الحاجة إلى سياسات تعزز القدرة الشرائية وتحسن الولوج إلى الغذاء.

رهان طويل الأمد

وخلص البنك الدولي إلى أن مستقبل الأمن الغذائي في المغرب لن يُحسم بزيادة الإنتاج الزراعي فقط، وإنما بقدرة المملكة على التوفيق بين محدودية الموارد المائية، ورفع الإنتاجية، وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الأعلى قيمة مضافة، مع تطوير الابتكار وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز مساهمة القطاع الخاص.

وفي هذا الإطار، أشار التقرير إلى اختيار المغرب ضمن أولى الدول المستفيدة من برنامج AgriConnect، الذي يهدف إلى دعم التحول الزراعي عبر الاستثمار في تقنيات الري الحديثة، والرقمنة، واللوجستيك، والتمويل الزراعي، بما يعزز قدرة القطاع على التكيف مع آثار التغير المناخي وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة

Exit mobile version