– عبد الرفيع حمضي
صباح أمس بالرباط ذهبت للتبرع بالدم، كما أفعل منذ أكثر من ثلاثين سنة.
الإجراءات بالنسبة إلي مألوفة: تسجيل، بعض الأسئلة، فحص أولي، ثم الكرسي والإبرة والكيس الذي يمتلئ تدريجيا. وبعد انتهاء العملية جاءت مرحلة أعرفها هي الأخرى منذ سنوات: الاستراحة وما يقدم للمتبرع بعدها للضرورة الطبية .
هذه المرة كان نصيبي علبة صغيرة من عصير صناعي وبسكويت في قاعة كئيبة.
ابتسمت وأنا أتذكر البدايات، حيث كانت تقدم للمتبرع وجبة حقيقية في صحن وبلاتو وقنينة ماء وياغورت، ثم أخذت تتقلص مع السنوات حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.
شخصيا، لا أتناول اي شيئ بعد التبرع إلا للضرورة الطبية ونادرا جدا ولكن اشرب الماء . لذلك فالموضوع ليس صحن طعام ولا علبة عصير، وإنما السؤال أكبر: كيف نعتني بالإنسان الذي استجاب لندائكم وجاء ليعطي من دمه؟
عن حق، مجهودا كبير يبذل لدعوة الناس إلى التبرع. حملات في وسائل الإعلام، ونداءات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتحسيس في المؤسسات والجامعات وأماكن العمل، ودعوات في المساجد، خصوصا كلما انخفض مخزون الدم.
كل ذلك ضروري، وما أحوجنا إليه.
لكن التعبئة من أجل التبرع لا ينبغي أن تنتهي عندما يدخل المتبرع باب المركز. ربما هناك تحديدا تبدأ المرحلة الأهم: العناية بالمتبرع.
فالذي يأتي للتبرع يقوم بفعل إنساني استثنائي. يعطي شيئا منه لإنسان لا يعرفه، ولا يدري إن كان دمه سيصل إلى طفل مريض، أو امرأة تنزف ، أو مصاب في حادثة سير، أو مريض فوق طاولة العمليات. لا يعرف اسمه ولا دينه ولا وضعه الاجتماعي ولا أفكاره.
يعطي ويغادر.
ولعل هذا أحد أنقى أشكال التضامن الإنساني: أن تمنح دون أن تعرف من سيأخذ، ودون انتظار شكر أو اعتراف. وفي ثقافتنا الدينية يحضر المعنى القرآني الكريم والبليغ: «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا». (المائدة)
وفي سياق آخر ،سنة 2008 عشت تجربة بقيت عالقة في ذاكرتي. كنت أشارك في مؤتمر دولي بالعاصمة الكورية سيول، ونظمت على هامشه حملة للتبرع بالدم للمشاركين. نصبت خيمة للمناسبة، وكنت من المتبرعين.
بعد ثمانية عشر عاما، لا أذكر ماذا قدم لنا من طعام أو شراب، لكن اذكر ان شكل الوجبة وطريقة التقديم كانت محترما كما انني أذكر جيدا شيئا آخر: العناية. طريقة الاستقبال، والتنظيم، والتواصل، والمواكبة أثناء التبرع، ثم الاستراحة والاهتمام بعده. كانت التفاصيل كلها تقول للمتبرع إن ما قام به له قيمة.
فالصليب الأحمر يتعامل مع التبرع باعتباره مسارا متكاملا، من الاستقبال والفحص إلى جمع الدم وما يرافق ذلك من تنظيم وعناية بالمتبرع.ومنظمة الصحة العالمية تجعل رعاية المتبرع جزءا من منظومة الدم نفسها، وتوصي بأن يكون مكان التبرع مريحا وأن تتم مواكبته أثناء العملية، ثم مراقبته وراحته وتقديم المرطبات له قبل أن يغادر.
المسألة إذن ليست وجبة، بل فلسفة في التعامل مع مواطن جاء طوعا ليقدم للمجتمع شيئا لا تستطيع أفضل المختبرات إنتاجه ولا أكبر الميزانيات شراء بديل صناعي عنه: دم الإنسان.
ومن هنا تصبح التفاصيل رسائل: الاستقبال، واحترام الوقت، ونظافة المكان وراحته، وطريقة مخاطبة المتبرع، والمواكبة بعد التبرع، وحتى ما يقدم له بعد أن ينتهي.
لذلك، وبعد كل هذه السنين يكون انتقالنا من وجبة محترمة إلى عصير صغير وبسكويت لم يستوقفني بسبب قيمته المادية، وإنما أخشى أن تكون الادارة قد اقتصدت في المكان الخطأ.
فالنجاح ليس فقط في استقطاب متبرع جديد، بل في أن يغادر وهو راغبا في العودة، وأن يصبح بدوره أفضل دعوة للتبرع بين أسرته وأصدقائه.
وبين ما يقال وما لا يقال… من يمد ذراعه ليعطي جزءا من دمه لمجهول، يستحق أن نرى فيه ذلك الإنسان الذي أعطى، لا الكيس الذي أخذنا.

