ما يحدث داخل التجمع الوطني للأحرار لم يعد نزيفًا صامتًا، بل انهيارًا أخلاقيًا وتنظيميًا يُدار ببلاغات الإنكار، ويُغطّى بخطاب القوة المصطنعة. لسنا أمام أزمة عابرة، بل أمام فشل نموذج: نموذج الحزب الذي اعتقد أن المال والسلطة كافيان لصناعة الانتماء.
حين يصبح الحزب مجرد لافتة
التجمع اليوم ليس حزبًا بالمعنى السياسي، بل هيكل إداري انتخابي:
لا نقاش داخلي،
لا حياة تنظيمية،
لا صراع أفكار،
بل أوامر تنزل، ووجوه تصعد، ثم تُرمى جانبًا عند أول كلفة سياسية.
وحين ينسحب المنتخبون، ويصمت المناضلون، وتفرغ الفروع من روحها، فالمشكل ليس في “ضعف التأطير”، بل في انعدام المشروع الحزبي أصلًا.
استقالات؟ لا… هذه إقالات غير معلنة
من يغادرون الحزب لا “يهربون”، بل يُدفعون خارجًا:
• يُستعملون في الحملات، ثم يُتركون وحدهم في مواجهة غضب الشارع.
• يُمنحون الواجهة، بينما القرار محجوز في دوائر ضيقة.
• يُطلب منهم الدفاع عن سياسات لم يُستشاروا فيها ولم يفهموها.
هذا ليس حزبًا، هذا نظام تشغيل سياسي مؤقت.
أخنوش: زعيم بلا حزب
أن يجمع عزيز أخنوش بين رئاسة الحكومة والحزب لم ينتج قيادة قوية، بل أنتج فراغًا سياسيًا.
الرجل يدير، ولا يقود.
يقرر، ولا يشرح.
يصمت، ثم يستغرب الغضب.
والمفارقة القاتلة أن الحزب الذي قُدّم كـ“حزب الكفاءات” صار عاجزًا حتى عن الدفاع عن نفسه في الشارع أو الإعلام.
القواعد تُحرق… ثم يُسأل لماذا الدخان
في القرى، في المدن، في الجماعات:
• المواطن غاضب.
• المنتخب محاصر.
• الحزب غائب.
وحين ينسحب المستشار أو يلوذ بالصمت، يُتهم بـ“الانتهازية”، بينما الحقيقة أن القيادة هي التي تخلّت عنه أولًا. الحزب لا يحمي أبناءه، لا يشرح لهم، لا يساندهم، ثم يطالبهم بالولاء الأعمى.
من حزب “الدولة الاجتماعية” إلى دولة التبرير
الغلاء، الاحتقان، ارتباك الأولويات… كلها تحوّلت إلى قنابل سياسية انفجرت في وجه الحزب. ولم يجد هذا الأخير سوى خطاب واحد:
“نحن نشتغل”
لكن السياسة ليست ورشة صامتة، بل تعاقد مع المجتمع. ومن يفشل في التواصل، يفشل في الحكم، حتى لو امتلك كل مفاتيح القرار.
ما يحدث أخطر من الهروب
الخطير ليس من غادر، بل من بقي بلا قناعة.
الخطير ليس الاستقالة، بل الفراغ الداخلي.
الخطير أن يتحول الحزب إلى جسد بلا نبض، يعيش فقط على أجهزة الدولة، لا على ثقة المجتمع.
السلطة مؤقتة… والذاكرة لا ترحم
التجمع الوطني للأحرار يكتشف اليوم حقيقة بسيطة:
السلطة لا تصنع شرعية، والمال لا يصنع حزبًا، والصمت لا يصنع استقرارًا.
وحين تنتهي لحظة القوة، لن يُسأل: من ربح الانتخابات؟
بل: من بقي مؤمنًا؟
والجواب، حتى الآن، مقلق جدًا.

