– فؤاد بوجبير، باحث متخصص في علوم التدبير العمومي و السياسات العمومية
لم تعد السياسة في عدد من المجتمعات المعاصرة، ومنها دول الجنوب، تعاني فقط من ضعف النجاعة أو محدودية الإنجاز، بل أصبحت تواجه ظاهرة أكثر خطورة تتمثل في هيمنة التفاهة والعبث على الفعل السياسي. فبدل أن تكون السياسة فضاءً للتفكير الاستراتيجي وصناعة المستقبل، تحولت في كثير من الأحيان إلى مجال للصراعات الشخصية، والمزايدات الإعلامية، وإنتاج الخطابات الشعبوية التي تستهلك العواطف أكثر مما تقدم الحلول.
لقد وصف الفيلسوف الكندي آلان دونو هذه الظاهرة بـ”نظام التفاهة”، حيث تصبح المؤسسات نفسها منتجة للنخب المتوسطة، التي لا تصل إلى مواقع القرار بفضل الكفاءة، وإنما بفضل قدرتها على التكيف مع منطق الولاءات والامتثال. وفي الاتجاه نفسه، اعتبر عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الحقول السياسية قد تتحول إلى فضاءات لإعادة إنتاج النخب نفسها، من خلال احتكار الرأسمال السياسي والرمزي، وهو ما يؤدي إلى إقصاء الكفاءات المستقلة.
أما الفيلسوف الفرنسي غي ديبور فقد سبق أن تنبأ بأن السياسة ستغدو جزءًا من “مجتمع الاستعراض”، حيث تصبح الصورة أهم من الفكرة، والتواصل أهم من الفعل، والظهور الإعلامي أكثر قيمة من الإنجاز الحقيقي.
ومن منظور تاريخي، يبين المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون أن الدول تبدأ في التراجع عندما تضعف العصبية المؤسسة للدولة، وتتحول السلطة السياسية إلى وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة بدل خدمة العمران والمصلحة العامة. فالفساد، وسوء التدبير، وغياب الكفاءة ليست مجرد أخطاء إدارية، بل هي علامات على دخول الحكومات المتعاقبة على تدبير الشأن العام في مرحلة من الوهن المؤسسي.
ويضيف المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي أن الحضارات لا تسقط بسبب الأعداء فقط، وإنما عندما تعجز نخبها عن تقديم إجابات حقيقية للتحديات الجديدة. وعندما تصبح النخب السياسية عاجزة عن الابتكار، فإنها تلجأ إلى صناعة الأزمات الوهمية والانشغال بالقضايا الثانوية لإخفاء عجزها عن معالجة القضايا الجوهرية.
أما في علم الاجتماع السياسي، فقد أوضح عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر أن شرعية السلطة السياسية لا تقوم فقط على القانون، بل أيضًا على الكفاءة والقدرة على تحقيق المصلحة العامة. وعندما يفقد المواطن ثقته في هذه الكفاءة، تبدأ شرعية المؤسسات في التآكل، حتى وإن ظلت قائمة من الناحية القانونية.
وفي السياق المغربي، تبدو هذه الإشكالات أكثر تعقيدًا بالنظر إلى استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتراجع الثقة في الوساطة الحزبية، وضعف النقاش العمومي حول السياسات العمومية. فالنقاش السياسي ينزلق أحيانًا نحو الشخصنة، بينما تبقى الملفات الكبرى، مثل التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية، والتنمية الترابية، والشغل، رهينة التجاذبات الظرفية أكثر من كونها موضوعًا لتوافقات استراتيجية.
وقد أشار عالم الاجتماع المغربي محمد جسوس إلى أن التنمية لا يمكن أن تقوم دون إعادة الاعتبار للإنسان باعتباره محور السياسات العمومية، بينما أكد المفكر المغربي عبد الله العروي أن أزمة العالم العربي ليست فقط أزمة موارد، بل هي قبل كل شيء أزمة عقل سياسي وتحديث للمؤسسات والثقافة السياسية.
كما أن عالم الاجتماع المغربي-الفرنسي بول باسكون أبرز أن فهم المجتمع المغربي يقتضي إدراك تعقيد بنياته الاجتماعية وتداخل التقليدي بالحديث، وهو ما يجعل أي إصلاح سياسي حقيقي رهينًا بفهم عميق للواقع، لا بالاكتفاء بالشعارات أو الحلول السطحية.
إن أخطر نتائج التفاهة السياسية لا تتمثل فقط في وصول غير الأكفاء إلى مواقع القرار، بل في تطبيع المجتمع مع الرداءة، حتى تصبح الاستثناءات هي الكفاءة، بينما تتحول الوساطة والولاء والضجيج الإعلامي إلى معايير للنجاح. وعندئذ، يفقد المواطن الثقة في السياسة، وتضعف المشاركة، ويتسع المجال أمام الشعبوية واللامبالاة.
إن الدول لا تُبنى بالاستعراض، ولا تُدار بردود الفعل، وإنما تُبنى بمؤسسات قوية، ونخب ذات كفاءة، وسياسات عمومية قائمة على المعرفة والعلم والتخطيط الاستراتيجي. فالتحدي الحقيقي اليوم ليس فقط محاربة الفساد، بل محاربة ثقافة التفاهة التي تسمح للفساد وسوء التدبير بإعادة إنتاج نفسيهما.
إن تجديد الحياة السياسية في المغرب يقتضي إعادة الاعتبار للكفاءة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحرير النقاش العمومي من الشعبوية، وإشراك الجامعات ومراكز البحث والخبراء في صناعة القرار، حتى تستعيد السياسة معناها النبيل باعتبارها فنًا لتدبير الشأن العام، لا مجرد فضاء للصراع والاستعراض. ففي النهاية، لا تسقط الدول عندما تختلف نخبها، بل عندما تتخلى هذه النخب عن التفكير في المستقبل، وتستبدل مشروع الحداثة بمنطق العبث والتفاهة.

