رسم الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، معالم التوجهات الكبرى للمرحلة المقبلة، واضعاً أمام المؤسسة التشريعية والحكومة الجديدة مسؤولية تحويل الفرص المتاحة إلى إنجازات ملموسة، تعزز مكانة المغرب كقوة اقتصادية صاعدة، وتكرس التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.
وحدد جلالة الملك مجموعة من الأولويات الاستراتيجية التي تتطلب تسريع الإصلاحات، وتعبئة مختلف الفاعلين، والانتقال من منطق التخطيط إلى التنفيذ، مع جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، والشباب في مقدمة الاهتمامات الوطنية.
1. تسريع النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية
دعا جلالة الملك إلى جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً في مسار التنمية، بما يضمن مواصلة الإنجازات الاقتصادية، وتحقيق التوازن بين تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحسين الأوضاع الاجتماعية للمواطنين، مع تقليص الفوارق بين المجالات الترابية.
2. إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى
شدد الخطاب الملكي على ضرورة الانتقال إلى جيل جديد من الاستراتيجيات، لمواكبة التحولات الجيو-اقتصادية العالمية، مع تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، وتطوير قطاعات استراتيجية قادرة على تعزيز السيادة الوطنية والاستجابة للتحديات المستقبلية.
3. تعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي
وضع جلالة الملك الأمن المائي والطاقي والغذائي ضمن الأولويات الأساسية للمرحلة المقبلة، بالنظر إلى ارتباط هذه المجالات باستقرار البلاد واستدامة تنميتها. ويقتضي هذا التوجه تطوير الحلول الاستباقية، وتنويع مصادر التزود، وتقوية قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات والاضطرابات الدولية.
4. تسريع الإقلاع الصناعي وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي
أكد الخطاب أهمية الإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، باعتبارها روافع أساسية لتحديث الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسيته. ويستدعي هذا التوجه تشجيع الابتكار، وتطوير الكفاءات، ودعم التحول الرقمي للمقاولات والإدارات، وتهيئة الظروف الملائمة لخلق فرص شغل جديدة في القطاعات المستقبلية.
5. تأمين الاحتياطات الاستراتيجية وتوريد المواد الأساسية
دعا جلالة الملك إلى التعجيل بتطوير القدرات الوطنية في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، بما يعزز قدرة المغرب على مواجهة الأزمات الدولية وتقلبات الأسواق وسلاسل الإمداد، ويحمي الاقتصاد الوطني من تداعيات الاضطرابات الخارجية.
6. تحويل القطاع الخاص إلى فاعل استراتيجي في التنمية
وجه الخطاب الملكي دعوة واضحة إلى القطاع الخاص الوطني للارتقاء بدوره في التحول التنموي، من خلال تعزيز المبادرة والابتكار والاستثمار والتصدير، والرفع من قدرته على خلق فرص الشغل. ويعكس هذا التوجه أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في بناء اقتصاد منتج، قادر على توليد الثروة وتوسيع قاعدة التشغيل.
7. وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية
شكلت قضايا الشباب إحدى الأولويات البارزة في الخطاب الملكي، الذي دعا إلى وضع تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويجمع بين التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي. فالرهان لا يتعلق فقط بتوفير فرص الشغل، بل أيضاً بتعزيز ثقة الشباب في مؤسسات وطنهم وقدرتهم على تحقيق الارتقاء الاجتماعي، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.
8. جعل التنمية الترابية والعمل الميداني أساساً للسياسات العمومية
أكد جلالة الملك أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في العمل الميداني، والوقوف على المشاكل الفعلية لكل منطقة، والبحث عن حلول واقعية تستجيب لانتظارات المواطنين. ويرتبط هذا التوجه بالنهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، بما يضمن تجاوز الفوارق المجالية والانتقال إلى تنمية أكثر توازناً وإنصافاً.
9. تسريع الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري
شدد الخطاب الملكي على ضرورة وضع حد للتأخير والاختلالات التي تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، مع التأكيد على نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الجهات والأقاليم.
كما دعا إلى توضيح اختصاصات مؤسسات الجهة، وتقوية إمكاناتها، وتنظيم علاقاتها مع الدولة، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد، بما يمكن الجهات من اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع بفعالية واستقلالية أكبر في إطار الاختصاصات المخولة لها.
10. تجديد الشراكات الدولية وتكريس المسؤولية البرلمانية
على المستوى الخارجي، دعا جلالة الملك إلى تطوير نموذج التعاون في مجال الهجرة، بما يواكب التحولات والتحديات الراهنة، مؤكداً أن الشراكات الدولية ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل والالتزام المسؤول، بعيداً عن الضغط والتهديد والابتزاز. كما أعلن عن توجه المغرب إلى تقديم وثيقة استراتيجية لشركائه، ترسم معالم تعاون جديد يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
وفي ختام الخطاب، وجه جلالة الملك رسالة مباشرة إلى أعضاء البرلمان، مذكراً إياهم بأن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي مع المواطنين، وأن المسؤولية الوطنية تقتضي العمل الجاد والوفاء بالوعود والقيام بالواجب تجاه الوطن والمواطنين.
وتعكس هذه الأولويات العشر رؤية متكاملة للمرحلة المقبلة، تجمع بين تقوية السيادة الاقتصادية، وتسريع التحول الرقمي والصناعي، وتحقيق العدالة المجالية، وتأهيل الشباب، وتحديث آليات الحكامة، وتطوير الشراكات الدولية.
ويبقى التحدي الأساسي أمام الحكومة الجديدة والبرلمان هو ترجمة هذه التوجهات إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ والتقييم، بما يجعل أثر الإصلاحات ملموساً في حياة المواطنين، ويحول الطموح التنموي للمملكة إلى نتائج مستدامة.








