تشهد مصالح وزارة الداخلية حالة من التعبئة الشاملة بعد توجيه مصالحها المركزية تعليمات صارمة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم بكل من الدار البيضاء–سطات، ومراكش–آسفي، والرباط–سلا–القنيطرة، وبني ملال–خنيفرة، من أجل إعداد قوائم تضم أسماء أعضاء مجالس جماعية يشتبه في تورطهم في حالات “تضارب مصالح”، تمهيداً لتفعيل الإجراءات القانونية المنصوص عليها في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية.
هذه التحركات تأتي في سياق حملة تطهير واسعة مرتقبة داخل الجماعات المحلية، بعد أن رصدت تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية حالات متكررة من خرق مبدأ النزاهة والشفافية في تدبير الشأن المحلي، إذ تبين أن عدداً من المنتخبين المحليين استغلوا مناصبهم لخدمة مصالح شخصية أو عائلية بشكل يتنافى مع القوانين الجاري بها العمل.
ووفق المعطيات فإن المصالح المركزية للداخلية توصلت خلال الأسابيع الأخيرة بعدة طلبات استشارة قانونية من عمال الأقاليم بشأن كيفية التعامل مع حالات تهم مستشارين جماعيين يشتبه في ارتكابهم مخالفات واضحة لمقتضيات المادة 65 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، والتي تنص صراحة على أنه يمنع على كل عضو من أعضاء مجلس الجماعة أن يربط مصالح خاصة مع الجماعة أو مع مؤسسات التعاون بين الجماعات أو مع مجموعات الجماعات الترابية التي تكون الجماعة عضواً فيها، أو مع الهيئات أو المؤسسات العمومية أو شركات التنمية التابعة لها، أو أن يبرم معها أعمالاً أو عقوداً للكراء أو الاقتناء أو التبادل، أو كل معاملة أخرى تهم أملاك الجماعة، أو أن يبرم معها صفقات الأشغال أو التوريدات أو الخدمات، أو عقوداً للامتياز أو الوكالة، أو أي عقد يتعلق بتدبير مرفق عمومي للجماعة، أو أن يمارس بصفة عامة كل نشاط قد يؤدي إلى تنازع المصالح، سواء كان ذلك بصفة شخصية أو بصفته مساهماً أو وكيلاً عن غيره أو لفائدة زوجه أو أصوله أو فروعه”.
و يشير القانون ذاته يضع حدوداً صارمة أمام أي تعامل مالي أو تجاري بين المنتخبين والجماعة التي ينتمون إليها، بهدف حماية المال العام وضمان مبدأ تكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. ومع ذلك، كشفت التقارير الداخلية عن استمرار بعض المنتخبين في التحايل على هذه المقتضيات عبر استعمال جمعيات أو شركات يملكها أقاربهم كواجهة لعقد صفقات أو الاستفادة من دعم مالي مباشر.
ومن بين الحالات التي استأثرت باهتمام السلطات، ملف يتعلق بجمعية تُسيرها زوجة أحد المستشارين الجماعيين بمدينة الدروة بإقليم برشيد، وتشغل شقيقتها منصب الرئيسة داخل الجمعية ذاتها، حيث استفادت هذه الأخيرة من اتفاقيات شراكة مع الجماعة لتدبير النقل المدرسي وتأطير ورشات التكوين المهني في الحلاقة بمركز التنشيط الثقافي والاجتماعي، وهو ما اعتبرته تقارير المراقبة الإدارية نموذجاً واضحاً لحالة تضارب المصالح.
و رصدت حالة أخرى بموجبها قام مستشار جماعي بتشغيل ابنه ضمن فئة “العمال العرضيين” الذين يُستعان بهم في فترات محددة، في خرق صريح لمبدأ الشفافية وتكافؤ الفرص بين المواطنين.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن وزارة الداخلية شرعت فعلياً في عملية تدقيق شاملة لقوائم المستفيدين من الصفقات والاتفاقيات المبرمة من طرف الجماعات المحلية، عبر مراجعة سجلات القباضات الجهوية التابعة للخزينة العامة للمملكة، من أجل تحديد ما إذا كان بين هؤلاء المستفيدين أقارب مباشرين أو غير مباشرين لأعضاء المجالس الجماعية أو المسؤولين المحليين.
و جرى توجيه تعليمات إلى العمال والولاة بضرورة مطالبة رؤساء الجماعات بتوضيحات مكتوبة حول أسباب تجاهلهم لتقارير أو إشعارات سابقة تخص حالات تضارب المصالح داخل مجالسهم، مع التأكيد على ضرورة رفع هذه الملفات فوراً إلى المصالح المركزية قصد اتخاذ الإجراءات التأديبية والقضائية المناسبة.
وفي هذا السياق، تنص المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات على أن مسطرة العزل تُفعَّل في حق كل منتخب يثبت في حقه ارتكاب أفعال تندرج ضمن حالات تضارب المصالح، إذ تنص على أنه يمكن لعامل العمالة أو الإقليم أن يحيل على المحكمة الإدارية طلب عزل كل عضو من أعضاء المجلس ثبتت مخالفته للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، ويجوز له توقيف المعني بالأمر عن ممارسة مهامه إلى حين البت في طلب العزل من طرف المحكمة الإدارية داخل أجل لا يتجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ الإحالة”.
وبناء على هذه المقتضيات، يرتقب أن تُحال ملفات المنتخبين المتورطين على القضاء الإداري قصد البت في مدى قانونية استمرارهم في مهامهم التمثيلية، في حين أكد مصدر مطلع أن هذه الحملة الرقابية الواسعة مرشحة لأن تُسقط أسماء وازنة داخل المشهد المحلي بعد أن اتسع نطاق التحقيقات ليشمل ملفات الصفقات العمومية، والتدبير الجمعوي، وعمليات التشغيل العرضي التي طالما كانت مجالاً خصباً لتبادل المنافع وتضارب المصالح.
ويؤكد مراقبون أن هذا التحرك يأتي في إطار تكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان الشفافية في تدبير الشأن المحلي، تماشياً مع التوجيهات الملكية الداعية إلى ترسيخ الحكامة الجيدة ومحاربة كل أشكال الفساد داخل المؤسسات المنتخبة، بما يضمن استرجاع ثقة المواطنين في مؤسساتهم التمثيلية.
الداخلية تحقق في تضارب مصالح المنتخبين

