– *بقلم فؤاد بوجبير، باحث في علوم الإدارة (التدبير العمومي والسياسات العمومية)*
*ملخص المقال*
[ يقترح هذا المقال تحليلاً مفاهيميًا ومتعدد الأبعاد للرؤية الملكية المستنيرة باعتبارها فلسفة للدولة وإطارًا منظمًا للعمل العمومي في المغرب. ومن خلال الاستعانة بمقاربات تاريخية واجتماعية ونفسية وثقافية وسياسية-استراتيجية، يبرز البحث الاتساق المنهجي لهذه الرؤية، المبنية على الاستمرارية المؤسسية، والاستقرار الاجتماعي، والمنطقية في اتخاذ القرار. ويؤكد المقال أن هذه الرؤية تشكل الأساس المعياري والاستراتيجي الذي يجب على الفاعلين السياسيين والإداريين الالتزام به وترجمته إلى سياسات عمومية فعالة، بما يلبي تطلعات الملك والشعب المغربي.]
*المقدمة / الرؤية السياسية كإطار للبناء طويل المدى*
لا يمكن للاهتمام بالدولة
أن يقتصر على تحليل السياسات الظرفية أو الآليات الإدارية. فكل رؤية سياسية تنظيمية تنسجم بالضرورة مع أفق زمني طويل، يجمع بين الذاكرة التاريخية، ومتطلبات الحاضر، واستشراف المستقبل. وهي تتجاوز مجرد الإدارة التقنية لتصبح فلسفة حقيقية للحكم.
وفي هذا السياق، تفرض الرؤية الملكية المستنيرة نفسها كمرجع استراتيجي شامل للعمل العمومي في المغرب. فهي تقوم على تصور متكامل للدولة والمجتمع والسلطة، مبني على التوازن بين السلطة والشرعية، والإصلاح والاستقرار، والسيادة والانفتاح.
وتتمثل الفرضية المركزية لهذا المقال في أن هذه الرؤية ليست إطارًا توجيهيًا فحسب، بل هي أيضًا معيار ضمني للمسؤولية بالنسبة للنخب السياسية الحاكمة.
*أولًا/ الاستمرارية التاريخية والإصلاح المحكَم : منطق مؤسسي*
تُظهر الدراسات التاريخية لمسارات الدولة أن الإصلاحات المستدامة هي تلك التي تندرج ضمن الاستمرارية المؤسسية. فمقابل منطق الانقطاع الجذري، الذي غالبًا ما يؤدي إلى عدم الاستقرار، تفضل الرؤية الملكية المستنيرة إصلاحًا تدريجيًا ومتراكما ومحكومًا.
وقد أشار، في هذا الصدد، المؤرخ والفيلسوف الفرنسي ألكسيس دي توكفيل إلى أن المجتمعات التي تحاول محو ماضيها تواجه أزمات عميقة في الشرعية. وتضيء هذه الرؤية الاستراتيجية اختيار إصلاح متجذر في التاريخ، حيث تتحقق تحديثات الدولة دون الإضرار بأسسها الرمزية والمؤسسية.
وفي السياق المغربي، تلعب الملكية دورًا مركزيًا و جوهريا و أساسيا في الاستمرارية، مما يسمح بمزج التحول والاستقرار. بحيث تظهر الرؤية الملكية المستنيرة باعتبارها آلية لتنظيم التغيير، تحمي الدولة من الانقطاعات النظامية، و تحمي الشعب من التغول السياسوي، وفي الوقت نفسه ترافق تكيفها مع التحولات المعاصرة.
*ثانيًا/ البعد النفسي للحكم : الاستقرار والثقة الاجتماعية*
لا يُمارس العمل العمومي في فراغ اجتماعي. فكل مجتمع يتأثر بالتصورات الجماعية والمخاوف والتطلعات واحتياجات الأمان. وتدمج الرؤية الملكية المستنيرة هذا البعد النفسي الذي غالبًا ما تُغفله المقاربات المؤسسية الصرفة.
فقد أبرز سيغموند فرويد الحاجة الأساسية للأمان النفسي أمام المجهول.
وفي ظل سياق دولي يتميز بالأزمات المتعددة، يصبح الاستقرار موردًا سياسيًا جوهريًا. فثبات التوجهات الاستراتيجية الملكية، وتدرج الإصلاحات، ووضوح الرؤية السياسية الحكيمة و المعقولة يسهم في ترسيخ مناخ الثقة بين الدولة والمجتمع. وتشكل هذه الثقة شرطًا أساسيًا لقبول المجتمع لكل التحولات الهيكلية الممكنة.
*ثالثًا/ القراءة الاجتماعية: الشرعية، التماسك، والعدالة الاجتماعية*
من منظور سوسيولوجي، تقوم الرؤية الملكية المستنيرة على تصور صارم للشرعية السياسية. وقد أظهر ماكس فيبر أن السلطة لا تستمر إلا إذا كانت معترفًا بها ومقبولة اجتماعيًا. وفي نفس السياق، أشار الكاتب والفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي إلى دور القبول الاجتماعي في بناء هيمنة مستقرة. وتعكس السياسات العمومية الموجهة نحو التنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتقليص الفوارق الجهوية، كما أرادها و يريدها صاحب الجلالة، الملك محمد السادس، نصره الله، هذا المنطق.
وبالتالي، تُصوَّر الدولة ليس كممنظومة محايدة فحسب، بل كفاعل نشط و أساسي للعدالة الاجتماعية، مكلف بالحفاظ على التماسك الوطني وضمان كرامة المواطنين.
*رابعًا/ الهوية الوطنية والحداثة : ربط غير صدامي*
تشكل قضية الهوية محورًا أساسيًا في مسارات التحديث. وتقدم الرؤية الملكية المستنيرة مقاربة غير صدامية للهوية الوطنية، باعتبارها إرثًا حيًا ومتطورًا.
وقد أشار الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، في هذا الصدد، إلى أن التقاليد ليست انكفاء على الماضي، بل قدرة على نقل المعنى في إطار التغيير. وتمكن هذه الرؤية المغرب من دمج ديناميات العولمة دون تذويب ثقافي أو قطع مع الهوية. و بالتالي تصبح الثقافة رافعة استراتيجية للاستمرارية والابتكار، مسهمة في استقرار المشروع الوطني.
*- خامسًا/ العقلانية السياسية والسيادة الاستراتيجية*
على المستوى السياسي الاستراتيجي والسيادي، تتميز الرؤية الملكية المستنيرة بالواقعية المحسوبة. فقد عرف ريمون آرون السياسة بأنها فن اتخاذ القرار في ظل المجهول.
و في هذا الاتجاه، تجسد الدبلوماسية المغربية المعاصرة، المبنية على تنويع الشراكات، والتعاون الجنوب-جنوب، والدفاع عن المصالح الوطنية، هذه العقلانية. وتُفهم السيادة هنا ليس كعزلة، بل كقدرة على التحرك باستقلالية ضمن نظام دولي مترابط و معقد في آن واحد.
– *سادسًا/ مسؤولية النخب وترجمة الرؤية إلى سياسات عمومية*
لا يمكن أن تثمر الرؤية الملكية المستنيرة دون ترجمة صادقة في العمل العمومي. فهي تشكل إطارًا معياريًا ضمنيًا يربط مسؤولية النخب السياسية والإدارية. ويتمثل هذا التحدي الرئيسي في الفجوة المحتملة بين الارتفاع الاستراتيجي للرؤية والممارسات السياسية الفعلية. والمسألة ليست مجرد قبول لفظي، بل القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى سياسات عمومية متسقة، قابلة للتقييم، وموجهة نحو المصلحة العامة.
– *الخاتمة*
يبيّن هذا البحث أن الرؤية الملكية المستنيرة و الحكيمة تشكل فلسفة حقيقية للدولة، تجمع بين الاستمرارية التاريخية، والاستقرار النفسي، والتماسك الاجتماعي، والعمق الثقافي، والعقلانية السياسية. وهي تمثل قاعدة استراتيجية ومعيارية يتعين على الفاعلين السياسيين في بلدنا احترامها واتباعها.
وعلى هذا الأساس، يمكن للعمل العمومي أن يستجيب لتطلعات الملك والشعب المغربي : إقامة دولة قوية وعادلة، ومجتمع متضامن، ومستقبل يرتكز على الاستقرار، والثقة، والتقدم المشترك.

