عبد الرفيع حمضي
وأنت تقرأ عنوان المقال، قد تعود بك الذاكرة إلى حركات الفنانة شمس البارودي، وضحكة مريم فخر الدين، أو حتى البطن المنتفخ للقدير حسن يوسف، في فيلم “القطط السمان” الذي يحكي عن طبقة اجتماعية جديدة ولدت من رحم التحولات الاقتصادية في مصر في أعقاب نكسة 1967.
وقد يذهب ذهن قارئ آخر إلى رواية “سنة القطط السمان” لعبد الوهاب محمد الحمادي، أو إلى المجموعة القصصية “حي القطط السمان” للكاتبة كوثر الجهمي.
لكن لا هذا ولا ذاك.
فقطط اليوم لا تعيش على شاشة السينما، ولا بين دفتي رواية. إنها قطط تموء كل صباح في أحياء وزان والرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش… وزحليكة ، تنتظر وجبتها اليومية، بعدما أصبحت تجد في كل حي تقريبا من يخصص لها موعدا، وطعاما، وأحيانا اسما أيضا.
إنه واقع مغربي جديد يتشكل بصمت أمام أعيننا. واقع أصبحت فيه القطط، خلال السنوات الأخيرة، جزءا من المشهد الحضري اليومي، ليس لأنها تكاثرت فقط، بل لأن علاقة المغاربة بها تغيرت بصورة لافتة.
صحيح أن علاقة المغاربة بالقطط ليست وليدة اليوم. فمنذ أجيال، احتلت القطة مكانة خاصة داخل البيوت المغربية، وكانت رفيقة للأسرة في كثير من المنازل. كما رسخت الثقافة الإسلامية قيمة الرفق بالحيوان؛ فارتبط اسم الصحابي الجليل أبي هريرة بحبه للهررة، وتناقلت الأجيال قصة المرأة التي دخلت النار بسبب إساءتها إلى هرة حبستها حتى ماتت. ولذلك لم يكن التعاطف مع القطط غريبا عن المجتمع المغربي.
لكن الجديد هو أن القطط خرجت من البيوت إلى الشوارع… وخرج معها شكل جديد من أشكال السلوك الاجتماعي.
فلم يعد يمر يوم دون أن ترى في حي أو زقاق أو شارع نساء ورجالا، وشبابا وفتيات، يضعون أوعية الماء والغذاء للقطط الضالة. والأمر لا يتعلق ببقايا الطعام كما كان يحدث في الماضي، وإنما بغذاء خاص يباع في المحلات المخصصة للحيوانات. والأكثر دلالة أن هذا الغذاء، الذي كان العثور عليه قبل سنوات يقتصر على بعض المحلات المتخصصة في المدن الكبرى، أصبح اليوم يباع في معظم الأحياء الشعبية، وكأنه تحول إلى منتج استهلاكي عادي فرضه طلب اجتماعي جديد.
ولعل الصديق الدكتور عبد الرحيم العطري كان محقا حين نبه إلى أن مثل هذه التفاصيل اليومية ليست أحداثا عابرة، وإنما مؤشرات على التحولات التي يعرفها المجتمع. فالمجتمعات لا تكشف تغيراتها فقط عبر القوانين أو الانتخابات أو الخطابات السياسية، بل تكشفها أيضا من خلال سلوكيات بسيطة تتكرر كل يوم حتى تصبح جزءا من الحياة اليومية.
فما الذي تغير؟ هل ارتفع منسوب الوعي بالرفق بالحيوان؟ أم أننا أمام أشكال جديدة من التطوع المدني؟ أم أن المدينة الحديثة، بما تفرضه من عزلة وضغط وتسارع في الإيقاع، جعلت الإنسان يبحث عن علاقة أكثر بساطة تمنحه شيئا من السكينة؟ أم أن الأمر يعكس جيلا جديدا يعبر عن قيمه بالفعل اليومي أكثر مما يعبر عنها بالشعارات؟
وربما تبدو هذه الأسئلة بعيدة عن القطط، لكنها في الحقيقة أقرب إليها مما نتصور. فالقطط هنا ليست موضوع المقال، وإنما نافذة نطل منها على المجتمع وهو يتغير.
لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل الوجه الآخر لهذه الظاهرة. فتكاثر القطط في الفضاءات العامة أصبح يطرح تحديات حقيقية مرتبطة بالصحة العامة، والتوازن البيئي، وجودة العيش داخل المدن. لذلك فإن الإطعام، مهما كانت نبل دوافعه، لا يمكن أن يكون الحل الوحيد.
لقد واجهت مدن كثيرة عبر العالم هذه الإشكالية بمقاربات متوازنة تقوم على التعقيم، والتلقيح، والرعاية البيطرية، وإشراك جمعيات الرفق بالحيوان والجماعات الترابية في تدبير الظاهرة. وهي تجارب تؤكد أن الرحمة لا تتعارض مع التنظيم، بل تحتاج إليه.
ولعل الوقت قد حان لنفكر نحن أيضا في مقاربة مغربية، تنطلق من قيمنا وثقافتنا، وتستفيد في الآن نفسه من التجارب الناجحة، حتى نحافظ على روح التعاطف التي تميز المجتمع، دون أن نترك الظاهرة تتحول إلى إشكال حضري يصعب تدبيره مستقبلا.
قد تبدو القطط موضوعا هامشيا، لكنها ليست كذلك. فالمجتمعات لا تعلن عن تحولاتها دائما عبر الدساتير أو الانتخابات أو الإحصاءات، بل تكشفها أحيانا في تفاصيل صغيرة تمر أمامنا كل يوم.
ولن أستغرب إذا جاء يوم اعتبر فيه علماء الاجتماع أن انتشار مبادرات إطعام القطط في الشوارع كان واحدا من المؤشرات الهادئة على تحول عميق في منظومة القيم بالمغرب، وعلى ميلاد علاقة جديدة بين الإنسان، والمدينة، والكائنات التي تتقاسم معه فضاءها.
وبين ما يقال وما لا يقال… قد تصبح القطط أكثر من حيوانات كانت أليفة .رفيع حمضي

