مصطفى المنوزي
لا تُقاس استقلالية المهنة فقط بمدى تحرر مؤسساتها من الوصاية القانونية أو الإدارية، ولا بمجرد امتلاكها سلطة اتخاذ القرار. فقد تكون المؤسسة مستقلة من حيث الشكل والاختصاص، بينما تتعرض إرادتها لأشكال أكثر نعومة من التأثير، تجعلها تتخذ بنفسها القرار الذي جرى دفعها إليه. ؛ وهنا يظهر ما يمكن تسميته «القهر الناعم»: قهر لا يأمر مباشرة، بل يوحي ويضغط ويستدرج؛ لا يصادر القرار، بل يؤثر في الشروط النفسية والمعلوماتية والزمنية التي يتكون داخلها ؛ وتكمن خطورته في أن المؤسسة قد تعتقد أنها تمارس كامل حريتها، بينما تكون مساحة الاختيار قد ضُيقت مسبقاً بواسطة المعلومة المنتقاة، أو التسريب الموجه، أو الخبر المغلوط، أو الاستفزاز المحسوب والضغط المصاحب له ؛
فالقرار المهني لا يولد لحظة الإعلان عنه، وإنما يتشكل قبل ذلك داخل مسار من تلقي المعلومات وتأويلها وتقديرها والمفاضلة بين إمكانات التعامل معها ، ومن ينجح في التحكم في هذا المسار قد لا يحتاج أصلاً إلى التدخل المباشر في القرار النهائي. لذلك ينبغي توسيع مفهوم الاستقلال المهني ليشمل، إلى جانب حرية إصدار القرار، استقلالية تكوين الإرادة التي تسبقه.
الدعاية حين تستهدف العقل قبل القرار :
ليست الدعاية دائماً كذباً صريحاً، وقد تكون أكثر فاعلية عندما تستند إلى جزء من الحقيقة، ثم تنتزعه من سياقه أو تضخمه أو تخفي العناصر التي تسمح بفهمه، قبل أن تقدمه في توقيت محسوب وبصياغة تستثير الخوف أو الغضب أو الشعور بالإهانة.
ومن هنا يمكن الحديث عن «الدعاية القاتلة»؛ لا لأنها تقتل الحقيقة وحدها، بل لأنها تستهدف القدرة على التفكير المتزن ؛ إنها تحاول قتل المسافة النقدية بين وصول الخبر واتخاذ الموقف، وتحويل زمن التداول إلى زمن استعجال، والتقدير إلى انفعال، والاختيار إلى رد فعل. ولهذا لا يكفي أمام أي خبر مثير أن نسأل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضاً: لماذا تصل إلينا الآن؟ ومن اختار توقيتها؟ وما الذي غاب عن سياقها؟ وأي شعور يراد إنتاجه من خلالها؟ والأهم: ماذا يراد منا أن نفعل بعد تلقيها؟
فالانتقال من تحليل مضمون الرسالة إلى تحليل الوظيفة التي يراد منها أداؤها يمثل أحد أهم شروط المناعة الفكرية للمؤسسة.
الاستفزاز بوصفه أداة لصناعة القرار :
يصبح الاستفزاز أكثر خطورة عندما يتحول إلى تقنية لإدارة سلوك الجماعة المهنية. فقد يكفي تسريب أو تصريح يمس الحس المهني حتى ينتقل النقاش سريعاً من التفكير في المصلحة إلى ضرورة إثبات القوة، ومن التحقق من المعطيات إلى المطالبة برد فوري. وهنا قد تنقلب المعايير: يصبح التريث ضعفاً، والتحقق تردداً، بينما يُقدم القرار السريع باعتباره وحده دليلاً على الحزم.
لكن القوة ليست دائماً في سرعة الرد.
فقد يكون النجاح الحقيقي للطرف المقابل هو أن يدفعنا إلى اتخاذ قرار في الزمن الذي اختاره هو، وتحت التأثير النفسي الذي صنعه هو ، ومن هنا تبرز قاعدة تستحق الاستحضار:
من يستطيع صناعة انفعالك يستطيع التأثير في جزء من قرارك، ومن يفرض عليك زمن الرد يضيّق عليك مساحة الاختيار.
حين تنتقل الدعاية إلى داخل الجماعة :
لا تقف خطورة القهر الناعم عند حدود المصدر الخارجي. فمع تكرار الأخبار والتسريبات والتعليقات، قد تتحول آثارها إلى جزء من الحياة الداخلية للمؤسسة نفسها ، فتنتشر المعلومة قبل التحقق منها، ويُعاد تداول التأويل باعتباره خبراً، ويتحول الضغط الخارجي إلى استعجال داخلي لاتخاذ الموقف. وقد يصبح الاختلاف حول التوقيت أو الوسيلة أو تقدير المآلات موضع تشكيك، بدل اعتباره جزءاً طبيعياً من التداول الديمقراطي. وعند هذه النقطة تحقق الدعاية إحدى أخطر وظائفها ، بأن تجعل الجماعة المستهدفة تعيد إنتاج آثارها بنفسها. ولذلك تحتاج المؤسسة، إلى جانب اقتصاد المجهود، إلى نوع من اقتصاد الانفعال. فليس كل تصريح يستحق جواباً، ولا كل تسريب يستدعي اجتماعاً، ولا كل استفزاز يفرض قراراً. وأحياناً يكون رفض الدخول في الإيقاع الذي يحدده الآخر شكلاً من أشكال استعادة المبادرة.
السيادة المعلوماتية جزء من الاستقلال :
لهذا لم تعد البنية الإعلامية والتواصلية مسألة تقنية هامشية في حياة المؤسسات المهنية، بل أصبحت جزءاً من بنيتها الاستقلالية.
فالمؤسسة التي لا تمتلك وسائل موثوقة لجمع المعلومات والتحقق منها، ولا تستطيع التمييز بين الخبر والتسريب والإشاعة والتوجيه، تترك جزءً من عملية تكوين إرادتها تحت رحمة الغير .
وهذا ما يمكن تسميته «السيادة المعلوماتية المهنية»: أي قدرة المؤسسة على إنتاج المعلومة الموثوقة أو التحقق منها، وعلى إدارة تواصلها وتحديد أولوياتها، بدلاً من أن تتحول بصورة دائمة إلى جهاز للرد على أجندات يصنعها غيرها ، ولا تعني هذه السيادة الانغلاق أو احتكار الحقيقة، وإنما تعني حماية شروط التفكير الحر داخل المؤسسة.
النفس الطويل واستقلال الزمن :
في هذا السياق يكتسب مفهوم النفس الطويل معنى يتجاوز مجرد الصمود ، إنه القدرة على امتلاك زمن القرار. فالمؤسسة المستقلة لا تسمح للاستفزاز بأن يحدد لها ساعة موقفها. تمنح نفسها ما تحتاج إليه من وقت للتحقق والتداول والمفاضلة واستشراف النتائج، ثم تتحرك عندما يصبح التحرك جزءاً من استراتيجيتها، لا مجرد استجابة لمثير خارجي. فالتريث، عندما يكون الهدف من الاستفزاز هو جر المؤسسة إلى التسرع، ليس ضعفاً؛ إنه ممارسة للسيادة على الزمن ؛ وهذا تحديداً ما يميز الفعل الاستراتيجي عن رد الفعل: الأول يختار لحظته، والثاني تفرض عليه اللحظة.
من ردود الفعل العشوائية إلى ردود الفكر العقلانية :
من هنا تصبح المهمة الأساسية هي الانتقال من ردود الفعل العشوائية إلى ردود الفكر العقلانية ، ولا يعني ذلك تجميد الغضب المهني المشروع أو تحويل المؤسسة إلى جهاز بارد لا يتفاعل مع ما يمس مصالحها واستقلالها. المقصود هو ألا يتحول الانفعال إلى بديل عن التفكير، وألا تصبح سرعة الرد معياراً وحيداً للشجاعة أو قوة الموقف ، فبين الواقعة والقرار يجب أن توجد مسافة نقدية تسمح بالتحقق والتقدير واستشراف المآلات ، وفي هذه المسافة بالذات يفشل القهر الناعم ؛ فالقرار العقلاني لا يسأل فقط: ماذا حدث؟ وكيف نرد عليه؟ بل يضيف السؤال الأهم هو ماذا سيحدث بعد أن نرد بهذه الطريقة؟
وبهذا ينتقل القرار من الاستجابة للحدث إلى التفكير في مآله، ومن الانفعال بما يفعله الآخر إلى التحكم فيما نريد نحن إنتاجه من نتائج ، لأن الاستقلال المهني لا يعني فقط أن يكون القرار صادراً عنا؛ بل أن تكون المعلومة التي بنيناه عليها قد خضعت للتحقق، وأن يكون زمن اتخاذه من اختيارنا، وأن تكون بدائله قد نوقشت، ومآلاته قد قُدرت ، وعندئذ يصبح رد الفكر أقوى من رد الفعل؛ لأن رد الفعل يجيب عن استفزاز الآخرين، بينما رد الفكر يستعيد المبادرة ويصنع مساره الخاص. وهنا تكمن إحدى أهم ضمانات الاستقلال: ألا يستطيع الآخر أن يصنع قرارنا بمجرد أن يصنع غضبنا ، فالاستقلال يبدأ قبل إعلان القرار؛ يبدأ من حماية العقل الذي يصنعه ، من هناك فتأهيل صناعة القرار مشروط بقيادة فكرية وإدارة حداثية .

