Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي يدعو إلى الاعتراف بمهن الرعاية وتنظيمها كرافعة للتنمية الدامجة

دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إقرار اعتراف مؤسساتي وتنظيم قانوني بمهن الرعاية، معتبراً أن هذا القطاع لم يعد شأناً أسرياً خاصاً، بل أضحى مكوّناً بنيوياً ضمن السياسات الاجتماعية والاقتصادية، وركيزة أساسية لبناء الدولة الاجتماعية وتحقيق التنمية الدامجة.

وجاء هذا الموقف خلال اللقاء التواصلي الذي خصص لتقديم خلاصات رأي المجلس حول موضوع «اقتصاد الرعاية: رهانات الاعتراف القطاعي والتنظيم المؤسساتي»، المنعقد يوم الأربعاء 28 يناير 2026، حيث شدد رئيس المجلس، عبد القادر اعمارة، على أن الرعاية تشمل «مجموع الأنشطة والعلاقات التي تنشأ عند تقديم الدعم، بهدف تلبية الحاجيات الجسدية والنفسية والعاطفية للأفراد»، سواء داخل الأسرة أو ضمن الإطار المؤسساتي.

وأوضح اعمارة أن أعمال الرعاية تمتد من المجال الأسري، حيث تواكب الأم طفلها في سنواته الأولى، أو يعتني أحد الأبناء بوالده المسن، أو تسهر أخت على رعاية أخيها في وضعية إعاقة، إلى مجالات مؤسساتية تشمل المستشفيات، ودور رعاية المسنين، ومراكز الأشخاص في وضعية إعاقة، ورياض الأطفال، والجمعيات الاجتماعية.

ورغم هذا الامتداد الواسع، يلاحظ المجلس أن قطاع الرعاية ما يزال يعاني من ضعف التنظيم وغياب الاعتراف المهني، في ظل عرض مؤسساتي غير كافٍ لمواكبة الطلب المتزايد، وتفاوتات مجالية واضحة، فضلاً عن تجزؤ البرامج الموجهة للأطفال والمسنين والنساء والأشخاص في وضعية إعاقة.

وسلط رئيس المجلس الضوء على الكلفة غير المرئية لأعمال الرعاية غير المأجورة، مؤكداً أن النساء يتحملن العبء الأكبر منها، «في شكل عمل غير مدفوع الأجر، يظل غير مرئي وغير معترف به»، وهو ما ينعكس سلباً على مساراتهن المهنية ومشاركتهن في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وفي هذا السياق، استحضر اعمارة معطيات المندوبية السامية للتخطيط، التي تفيد بأن إدماج العمل غير المأجور في الحسابات الوطنية من شأنه أن يرفع الناتج الداخلي الإجمالي بنحو 19 في المائة، منها 16 في المائة تعود إلى أعمال الرعاية التي تضطلع بها النساء، وهو ما يكشف حجم الإسهام الاقتصادي غير المحتسب لهذه الأنشطة.

وانطلاقاً من هذا التشخيص، اعتبر رئيس المجلس أن تطوير اقتصاد الرعاية «لا يشكل فقط التزاماً للدولة الاجتماعية، بل يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية»، مؤكداً أن تثمين مهن الرعاية والاعتراف بالمهنيين العاملين فيها يعد شرطاً أساسياً لاستدامة هذا القطاع.

ودعا المجلس إلى اعتماد استراتيجية وطنية لاقتصاد الرعاية، منظمة ومندمجة وطموحة، قادرة على تحويل هذا المجال إلى ركيزة للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية. وفي هذا الإطار، أوصى بالاعتراف بمجموع أعمال الرعاية وتنظيمها وإضفاء الطابع المهني عليها، من خلال إعداد مصنف وطني موحد لمهن الرعاية، مدعوم بخريطة ترابية دقيقة، وإرساء إطار وطني للتكوين والتأهيل والتصديق على الخبرات المكتسبة، إلى جانب ضمان شروط العمل اللائق والحماية الاجتماعية الشاملة.

كما شدد المجلس على ضرورة الاعتراف بمهن المساعدين العائليين، سواء كانوا مهنيين أو من الأقارب، وتمكينهم من إجازات خاصة وبرامج تكوين وتعويضات ملائمة، مع إدماجهم ضمن منظومة الحماية الاجتماعية.

وأظهرت نتائج الاستشارة المواطنة التي أطلقها المجلس عبر منصة «أشارك» دعماً واضحاً لهذا التوجه، حيث اعتبر 60 في المائة من المشاركين أن المساعدين الأسريين لا يحظون بالاعتراف الكافي، بينما تصدرت مطالب إقرار الاعتراف القانوني والاجتماعي بهذه المهن، ووضع نظام أساسي موحد، وتحسين ظروف العمل، قائمة المقترحات المقدمة.

وبحسب المجلس، تعكس هذه المعطيات تنامياً في الوعي المجتمعي بأهمية الرعاية، مقابل قصور السياسات العمومية في تأطير هذا القطاع وضمان شروط اشتغاله العادلة.

ويؤكد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن الرهان على اقتصاد الرعاية من شأنه أن يحقق مكاسب متعددة، تشمل تحسين التقائية السياسات العمومية، ودعم التنمية الترابية عبر مرافق القرب، وخلق فرص شغل مستدامة، لا سيما لفائدة النساء والشباب.

وختم عبد القادر اعمارة بالتأكيد على أن الاستراتيجية الوطنية المقترحة «لا تهدف إلى تعويض التضامن الأسري أو إضعافه»، بل إلى دعمه وتعزيزه عبر تقاسم أكثر إنصافاً لأعباء الرعاية بين الأسرة والدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يُخرج مهن الرعاية من دائرة الهشاشة واللااعتراف إلى فضاء التنظيم والاعتبار المؤسساتي.

Exit mobile version