لم تعد مناورات «الأسد الإفريقي» التي يحتضن المغرب جزءاً رئيسياً منها تقتصر على التدريبات العسكرية التقليدية، من الرماية والمناورة وتنسيق الوحدات، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى فضاء لاختبار تقنيات وأنظمة عسكرية يجري تطويرها لحروب المستقبل.
وتبرز تجربة أجراها الجيش الأمريكي في منطقة طانطان خلال ماي 2026 كأحد أبرز مؤشرات هذا التحول، بعدما اختبر إطلاق خمسة أسلحة دقيقة بعيدة المدى من طراز LRPM، في مرحلة متقدمة من تطوير هذه المنظومة التي يرتقب أن تدخل الخدمة العملياتية خلال السنوات المقبلة.
ووفق تقرير رسمي نشره الجيش الأمريكي في 8 يوليوز، استخدمت وحدة عملياتية أمريكية خمسة أسلحة من منظومة Long Range Precision Munition خلال النسخة السادسة عشرة من تمرين «الأسد الإفريقي»، ضمن سيناريو حمل اسم «الضربة العميقة».
وجرى إطلاق سلاحين بشكل متزامن في 2 ماي، قبل إطلاق ثلاثة أسلحة أخرى في وقت واحد في 4 ماي، بهدف اختبار قدرة مشغل واحد على التحكم في عدة ذخائر أثناء تحليقها، فضلاً عن قياس مستوى الاستقلالية التي يمكن أن تتمتع بها المنظومة أثناء تنفيذ مهامها.
أكثر من 290 كيلومتراً
وتختلف منظومة LRPM عن الصواريخ التقليدية التي تتجه مباشرة نحو هدف محدد. فالجيش الأمريكي يصنفها ضمن منظومات Launched Effects Lethal، وهي ذخائر تطلق من أنبوب ويمكن تشغيلها من الأرض أو الجو، وتعمل بدرجة مرتفعة من الاستقلالية مع إبقاء العنصر البشري ضمن دائرة الإشراف واتخاذ القرار.
وتتجاوز قدرة هذه المنظومة على الوصول إلى أهداف بعيدة 290 كيلومتراً، ما يمنح القوات إمكانية استهداف مواقع موجودة في عمق ميدان العمليات، بعيداً عن خط المواجهة المباشر.
وتعتمد المنظومة أساساً على المركبة الجوية Altius 700 وحمولة قتالية طورها الجيش الأمريكي، مع إمكانية إطلاق عدة وحدات ضمن شبكة واحدة تعرف باسم Wolfpack، بما يسمح للذخائر بالتنسيق أثناء المهمة والبحث عن الأهداف والتعامل معها بصورة جماعية.
وخلال تجربة طانطان، اختبر الجيش الأمريكي ما يصفه بمفهوم «الصياد-القاتل»، حيث تعمل مجموعة من الذخائر بصورة مترابطة داخل عمق المجال العملياتي.
من التجريب إلى الخدمة
وتكتسب تجربة طانطان أهمية إضافية لأن «LRPM» لم تعد مجرد مشروع بحثي بعيد المدى، إذ يشير الجيش الأمريكي إلى أنها أصبحت برنامجاً رسمياً يجري تطويره وفق مسار سريع للنماذج الأولية.
وتشير المعطيات الأمريكية إلى أن إدخال هذه المنظومة إلى الخدمة يمكن أن يبدأ قبل نهاية سنة 2027، ما يجعل التجارب التي احتضنتها منطقة طانطان جزءاً من مسار تطوير قدرات عسكرية يجري إعدادها للاستخدام العملياتي مستقبلاً.
ولا تنفصل هذه التجربة عن التحولات التي شهدتها نسخة 2026 من «الأسد الإفريقي»، والتي أصبحت أكثر ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والطائرات بدون طيار والقيادة والسيطرة والحرب متعددة المجالات.
وفي المغرب وحده، شارك نحو خمسة آلاف عسكري من أكثر من 40 دولة، إلى جانب أكثر من 30 شركة أمريكية عاملة في الصناعات والتكنولوجيا الدفاعية، في تدريبات شملت مجالات برية وجوية وبحرية وسيبرانية وفضائية.
وخلال التدريبات في مناطق رأس درعة وطانطان، اختبرت القوات الأمريكية كذلك طائرات مسيرة وأنظمة ذاتية وتقنيات تهدف إلى تقليص المدة الفاصلة بين اكتشاف الهدف واتخاذ قرار التعامل معه.
طانطان.. مناورات إلى مركز للتجريب
ويأتي هذا المسار في سياق تعميق التعاون العسكري بين المغرب والولايات المتحدة، الذي اتخذ بعداً جديداً في 13 يوليوز الماضي، عندما وقع المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، الفريق أول محمد بريظ، وقائد القيادة الأمريكية لإفريقيا، الجنرال داغفين أندرسون، بمقر «أفريكوم» في شتوتغارت، مذكرة تفاهم لإنشاء «المركز الإفريقي للتدريب والتجارب متعددة المجالات» (AMTEC) في طانطان.
ويفترض أن يتكون المشروع، في أفق 2030، من ثلاثة مكونات رئيسية: منطقة للتدريب متعدد المجالات، وأكاديمية للطائرات بدون طيار، ومركز للابتكار والتجارب.
ولا يقتصر الهدف المعلن للمشروع على تدريب القوات، بل يشمل أيضاً إتاحة المجال أمام الصناعات الدفاعية المغربية والأمريكية والجامعات لتطوير واختبار تقنيات جديدة، خصوصاً في مجالات الاتصالات والشبكات وأجهزة الاستشعار والأنظمة الذاتية.
شراكة تتجاوز شراء السلاح
وتشير هذه التطورات إلى أن التعاون الدفاعي بين الرباط وواشنطن يتجه تدريجياً من مجرد صفقات اقتناء المعدات وتنظيم المناورات المشتركة نحو شراكة أكثر ارتباطاً بالتجريب والتطوير والابتكار العسكري.
ويتقاطع ذلك مع خارطة طريق التعاون الدفاعي 2020-2030 التي وقعها البلدان، والتي تهدف إلى تعزيز قابلية القوات المغربية والأمريكية للعمل المشترك، ودعم مسار تحديث القوات المسلحة الملكية.
كما تواصل الولايات المتحدة اعتبار المغرب حليفاً رئيسياً من خارج حلف شمال الأطلسي وشريكاً أمنياً استراتيجياً، بالنظر إلى موقعه الجغرافي بين إفريقيا والفضاء الأطلسي والمتوسطي.
وبهذا المعنى، تكشف تجربة LRPM في طانطان عن تحول أوسع في طبيعة الشراكة العسكرية المغربية الأمريكية: فالمغرب لا يوفر فقط فضاءً لإجراء مناورات عسكرية، وإنما يتحول تدريجياً إلى منصة لاختبار قدرات جديدة في بيئة ميدانية واسعة، بينما تنقل واشنطن تعاونها مع الرباط إلى مستويات أكثر تقدماً في التكنولوجيا والقيادة والسيطرة والحرب متعددة المجالات

