وجه مصطفى المنوزي، المحامي بهيئة الدارالبيضاء مذكرة مطلبية إلى رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب قبيل الاجتماع المقبل لمجلس الجمعية، فيما يلي نصها:
السيد النقيب رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب
السادة النقباء والنقباء السابقين والسيدات الزميلات والسادة الزملاء أعضاء مجلس الجمعية
بعد التحية والتقدير
ينعقد الاجتماع المقبل لمجلس جمعية هيئات المحامين بالمغرب في لحظة مهنية دقيقة، أصبح فيها الزمن جزءً من المعركة ومن كلفتها ومآلاتها. فقرار الاستمرار في التوقف، مقروناً بتحديد موعد جديد للاجتماع، فتح زمناً مهنياً كان مأمولاً أن يتحول من مهلة انتظار إلى فرصة للاستثمار القانوني والمؤسساتي والتفاوضي. ؛
ومن هذا المنطلق، نتطلع إلى أن يشكل الاجتماع المقبل محطة لتقييم ما تحقق، واستعادة المبادرة، وتوسيع دائرة الممكن، حتى لا ينحصر القرار مرة أخرى في ثنائية الاستمرار أو التعليق، بل يصدر في ضوء معطيات جديدة ومخارج قابلة للتداول.
ويشرفني بمناسبة هذه اللحظة الديموقراطية الغنية بالدلالات ، ونحن على ابواب الدخول السياسي والإجتماعي ، وفي ظل ظرفية خاصة ، يشذ سياقها عن المألوف ، وطنيا وخارجيا ؛
يشرفني أن أساهم بمجموعة من الملاحظات والمقترحات ، علها تفيد المنشود إستشرافا للمستقبل المهني والذي لا يمكن فصله عن الأفق الوطني ، وذلك وفق ما يلي :
أولاً: تقييم حصيلة زمن التوقف :
نلتمس عرض حصيلة مركزة أمام المجلس حول ما أُنجز خلال الفترة الفاصلة بين الاجتماعين، ولا سيما:
– الاتصالات والمبادرات المؤسساتية المنجزة؛
– نتائج قنوات الحوار والوساطات المحتملة؛
– ما استجد في فرص الاستدراك القانوني والدستوري؛
– الآثار المهنية والقضائية والمؤسساتية للتوقف؛
– درجة الالتزام بالقرار والصعوبات التي رافقت تنزيله؛
– المقترحات والمخارج التي أصبحت قابلة للتحقيق.
فالسؤال الذي نأمل أن يؤطر الاجتماع ليس فقط: هل يستمر التوقف أم يعلّق؟ بل أيضاً: ماذا تحقق خلال زمن التوقف حتى يصبح القرار المقبل أكثر حرية وأقل اضطراراً؟
ثانياً: حرية التعبير وحرية الاختيار وواجب الانضباط :
نلتمس أن تحظى الاختلافات التي ظهرت داخل الجسم المهني بمعالجة مؤسساتية هادئة، تميز بين حرية التعبير وحرية الاختيار، وتضعهما في علاقتهما بواجب الانضباط المهني.
فحرية التعبير ، حسب اعتقادي ، تكفل للمحامي حق نقد القرار، وإعلان عدم الاقتناع به، ومناقشة مبرراته ومآلاته، واقتراح بدائل له، والمطالبة بمراجعته، والتعبئة المشروعة من أجل تغييره. ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى سبب للتخوين أو الإقصاء أو التشكيك في الانتماء المهني ؛ أما حرية الاختيار فتتصل بالانتقال من التعبير عن الموقف إلى السلوك العملي تجاه قرار جماعي صادر عن مؤسسة مهنية منتخبة ، وهنا لا يعود الأمر متعلقاً بالرأي وحده، بل بعلاقة الاختيار الفردي بالقواعد المشتركة وبالقدرة التنظيمية للمؤسسة.
فالانتماء إلى مهنة منظمة لا يلغي استقلال المحامي وضميره، لكنه يجعل ممارستهما جزءً من نظام مهني مشترك ؛ كما أن واجب الانضباط لا يعني الصمت أو الطاعة العمياء، بل يعني، في جوهره، ممارسة الاعتراض من داخل المؤسسة، واحترام القواعد المشتركة، وعدم تحويل كل خلاف مع القرار إلى سلطة فردية لانتقاء ما ينفذ منه وما يُترك ، ومن ثم، نأمل التمييز بين:
– نقد القرار والمطالبة بمراجعته؛
– الامتناع الفردي المعلل عن تنفيذه مع تحمل مسؤولية آثاره؛
– الدعوة العلنية إلى تعطيله أو نزع الشرعية عن المؤسسة التي أصدرته؛
– الحالات المهنية والقضائية التي تستند إلى ضرورة جدية أو إلى حماية حق يصعب تداركه.
فليس كل نقد تمرداً، كما أن تسمية عدم التنفيذ «اختياراً شخصياً» لا تكفي وحدها لإخراجه من مجال المسؤولية المهنية ؛ ويظل التقدير، عند الاقتضاء، من اختصاص المؤسسات المخولة قانوناً، وفق مساطر واضحة تحترم حقوق الدفاع والتناسب.
وفي المقابل، نلتمس التعبير الصريح عن رفض التنمر والتشهير والمس بالحياة الخاصة للمخالفين. فالموقف العلني قابل للنقد، والسلوك المهني قابل للتقييم، لكن كرامة الأشخاص وحياتهم العائلية والخاصة تظلان خارج دائرة النزاع.
ويمكن اختزال المبدأ المطلوب في العبارة الآتية:
لا حصانة للموقف من النقد، ولا مبرر لعدم الإنضباط للقرار المؤسسي ؛ ولا إباحة لكرامة صاحبه أو حياته الخاصة.
ثالثاً: توسيع قنوات الحوار داخل الدولة
نتطلع إلى أن ينطلق الاجتماع من أن تعثر الحوار مع الحكومة، أو عدم بلوغ المسار البرلماني نتائجه المرجوة، لا يعني استنفاد الدولة ولا انتهاء إمكان الفعل المؤسساتي ؛ فالدولة ليست الحكومة وحدها، كما أن أزمة امتدت آثارها إلى التشريع والقضاء والمرفق العام للعدالة والأمن القانوني لم تعد شأناً ثنائياً بين وزارة العدل والمهنة. وحين تتجاوز آثار النزاع طرفيه المباشرين، يصبح البحث عن المخرج مسؤولية مشتركة، تمارسها كل مؤسسة في حدود اختصاصها الدستوري والقانوني.
وهنا لا يراد من توسيع قنوات الحوار الالتفاف على الحكومة أو البرلمان، ولا استدعاء مؤسسة لتحل محل أخرى، وإنما مخاطبة العقل المؤسساتي للدولة، والاستفادة من قنوات التشاور والوساطة والتنبيه والاستدراك التي يتيحها البناء الدستوري.
وفي هذا الإطار، نقترح النظر في:
– إعادة فتح الحوار مع الحكومة على أساس مذكرة مكتوبة تتضمن مطالب دقيقة وصياغات بديلة؛
– مواصلة التواصل مع رئاسة مجلسي البرلمان والفرق والمجموعات البرلمانية؛
– بحث السبل القانونية والمؤسساتية لاستكمال الرقابة الدستورية، ما دام التصريح بتعذر البت لم يحسم موضوع دستورية القانون؛ مع تقوية الرهان على إشارة المحكمة الدستورية ذات البعد السياسي .
– مخاطبة المؤسسات الدستورية والإستشارية المعنية بالحقوق والحريات وحسن سير العدالة والأمن القانوني، كل في نطاق اختصاصها؛
– الاستعانة بوساطات وطنية ذات مصداقية لتجسير الحوار، من دون أن تصبح بديلاً عن التفاوض المباشر؛
– توسيع دائرة التشاور لتشمل مكونات منظومة العدالة والجامعات والهيئات الحقوقية والمجتمع المدني؛ في،سياق التعبئة الإعلامية مع اعتبار إكراهات الموسم الإنتخابي .
– تعزيز الإنصات داخل المهنة حتى يعكس العرض التفاوضي تعدد الآراء ضمن وحدة الموقف.
كما نقترح تكليف وفد موحد، محدد التفويض، بحمل عرض مهني متكامل إلى مختلف المخاطَبين، والعودة إلى المجلس بحصيلة منتظمة؛ فتعدد القنوات لا ينبغي أن يؤدي إلى تعدد الرسائل أو تنافس المبادرات، بل إلى وحدة المضمون وتنوع مسالك الحوار.
ويفترض العرض المهني المقترح أن يحدد:
– الثوابت المرتبطة باستقلال المحاماة وتنظيمها الذاتي؛
– المقتضيات التي تقبل التفاوض أو إعادة الصياغة؛
– البدائل التشريعية الممكنة؛
– الضمانات المؤسساتية المطلوبة؛
– التزامات المهنة في مجالات التخليق والتكوين والشفافية والمسؤولية؛
– التدابير المشتركة الممكنة لتدبير المرحلة.
فالمطلوب ليس فقط توسيع قائمة المخاطَبين، وإنما الانتقال من تبادل المواقف إلى تقاسم المسؤولية عن صناعة المخرج.
رابعاً: تقاسم مسؤولية تدبير آثار الأزمة :
نلتمس التأكيد أن المحاماة لا تتحمل وحدها مجمل الآثار الناجمة عن استمرار الأزمة، وإن كانت معنية بتقدير أشكال احتجاجها ومدتها ومآلاتها ، فالأزمة حصيلة مسار تشريعي ومؤسساتي متداخل، ومسؤولية الخروج منها تتوزع بين الحكومة والبرلمان والمؤسسات المختصة ومكونات منظومة العدالة والتمثيلية المهنية ؛ ولذلك لا ينبغي أن يتحول استحضار مصالح المتقاضين إلى ضغط أخلاقي أحادي على المحامين، أو إلى مدخل لنزع المشروعية عن احتجاجهم. فحق الدفاع واستمرارية العدالة وجودة التشريع والأمن القانوني مسؤوليات مشتركة، يتعين على الدولة ومؤسساتها أن تسهم في حمايتها من خلال معالجة أسباب الأزمة، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها.
وفي هذا السياق، يمكن بحث تدبير مهني منسق للحالات المرتبطة بالحرية والآجال والحقوق التي يصعب تداركها ، ولا يمثل ذلك تراجعاً عن الاحتجاج، بل مساهمة مسؤولة في تدبير آثار أزمة تظل معالجتها النهائية رهينة باستجابة مؤسساتية مشتركة.
خامساً: إتاحة بدائل متعددة أمام الاجتماع :
نقترح ألا يُحصر التداول في خيار وحيد، وأن تعرض أمام المجلس سيناريوهات متعددة، من بينها:
– استمرار التوقف ضمن مدة وأهداف ومؤشرات تقييم محددة؛
– تعليق مشروط بضمانات أو خطوات مؤسساتية مكتوبة؛
– الانتقال إلى أشكال احتجاجية متدرجة تحافظ على القدرة التفاوضية؛
– ربط كل سيناريو ببرنامج للتحرك المؤسساتي والتواصل والتقييم.
وقد تتيح هذه المقاربة تقدير كل خيار في ضوء مكاسبه ومخاطره وكلفته، بدل التعامل معه بوصفه اختباراً للثبات أو التراجع.
سادساً: المخرجات المأمولة من الاجتماع :
نتطلع إلى أن يسفر الاجتماع عن:
– تقرير تقييمي لحصيلة زمن التوقف؛
– قرار معلل ومحدد الأهداف والمدة وشروط المراجعة؛
– مذكرة تفاوضية تتضمن المطالب والصياغات البديلة؛
– خريطة مؤسساتية لقنوات الحوار والوساطة والاستدراك؛
– وفد تفاوضي موحد ومحدد التفويض والصلاحيات ؛
– صيغة مؤسساتية لتدبير الاختلاف داخل المهنة وحماية كرامة جميع أطرافه؛
– تصور مشترك لتدبير الآثار المهنية والقضائية للأزمة؛
– آلية للتتبع والتواصل والتقييم المرحلي.
– تعبئة وتحفيز أشكال التضامن والتكافل داخل الصف المهني .
السيد النقيب رئيس الجمعية
السادة النقباء والزميلات والزملاء أعضاء مجلس الجمعية :
أتمتى ان تنال هذه المذكرة عنايتكم واعتباركم ، خاصة وأن المهنة دهلت زمن «الدَّلَك والفور»: فلم يفت وقت الفعل، لكنه لم يعد وقتاً محايداً ؛ والفور المطلوب ليس استعجال التصويت وإصدار القرار ، بل تسريع إنتاج البدائل وفتح القنوات وبناء الضمانات ؛ أما الدَّلَك فهو الوعي بأن هامش الاختيار يضيق كلما بقيت المهنة أسيرة ثنائية الاستمرار أو التراجع ؛ دون فتح أي أفق للتفكير النقدي ،
ومن هنا، نتطلع إلى أن يكون الاجتماع المقبل محطة لاستعادة المبادرة وصناعة مخرج يحفظ استقلال المهنة ووحدتها، ويصون حرية النقد وكرامة المخالفين، ويحمّل الدولة ومؤسساتها نصيبها من مسؤولية إنهاء الأزمة.
فلا يكفي أن نرص الصفوف؛ ينبغي أن نحركها. ولا يكفي أن نثبت عدالة القضية؛ ينبغي أن نحولها إلى عرض تفاوضي، وقوة اقتراح، وإمكان مؤسساتي قابل للتحقق.
ويبدو أن القرارات الحكيمة يؤطرها الإعداد الجيد والنوعي ، ومن هنا ينبغي الإنطلاق في المقاربة التشاورية من يومه ، لتكون محطة اجتماع مجلس الجمعية موعدا التتويج بالإعلان عن القرار المتوافق عليه تشاركيا .
فشكرا على كل المجهودات وعلى أخلاق العناية وصفاء الإرادة .
المخلص للمهنة الاستاذ مصطفى المنوزي
المحامي بهيئة الدارالبيضاء .

