أعلنت وزارة الخارجية الكولومبية، اليوم الاثنين، تعليق العلاقات الدبلوماسية مع ما يسمى بـ«الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية»، في خطوة تعكس تحولا لافتا في موقف بوغوتا من قضية الصحراء المغربية، وتفتح في المقابل صفحة جديدة في العلاقات بين كولومبيا والمملكة المغربية.
وأوضحت الخارجية الكولومبية أن القرار جاء عقب مراجعة سيادية للموقف الذي تبنته الحكومة السابقة، مشيرة إلى أن الأمم المتحدة لا تتعامل مع «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» باعتبارها دولة عضواً في المنظمة الأممية.
وأكدت بوغوتا، في السياق ذاته، اعترافها بسيادة المغرب على كامل ترابه، بما في ذلك الصحراء المغربية، معلنة تجميد علاقاتها مع الكيان المذكور ابتداء من تاريخ صدور القرار.
ويشمل القرار وقف الاتصالات السياسية والدبلوماسية، وعدم تبادل البعثات، فضلا عن وضع حد لأي دعم لهذا الكيان داخل المحافل متعددة الأطراف، بما فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الذي تشغل كولومبيا عضوية غير دائمة فيه.
تحول في الموقف الكولومبي
وبررت الحكومة الكولومبية هذا التحول برغبتها في تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع المغرب، الذي وصفته وزارة الخارجية بأنه حليف لكولومبيا منذ ما يقارب خمسة عقود.
وأكدت بوغوتا أن المرحلة الجديدة من العلاقات الثنائية تقوم على رؤية طويلة الأمد، معتبرة أن التقارب مع الرباط من شأنه أن يخدم المصالح المشتركة للبلدين، ويفتح المجال أمام تعاون أوسع في عدد من القطاعات.
ويأتي هذا التحول في وقت تسعى فيه الدبلوماسية المغربية إلى توسيع دائرة الدعم الدولي لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الإطار الذي تطرحه الرباط لتسوية النزاع حول الصحراء.
تعاون اقتصادي واستراتيجي
ولم تحصر كولومبيا انعطافتها الدبلوماسية في الجانب السياسي، بل ربطتها بإطلاق دينامية جديدة في العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية مع المغرب.
وبحسب الخارجية الكولومبية، فإن البلدين يتجهان إلى بناء تعاون «طموح وملموس»، يشمل التجارة والاستثمار والسياحة والأمن الغذائي، إضافة إلى تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية وتعزيز الربط الأطلسي.
ويعكس هذا التوجه رغبة البلدين في تحويل التقارب السياسي إلى شراكة متعددة الأبعاد، خصوصا في ظل الموقع الجغرافي للمغرب كبوابة نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية، مقابل المكانة التي تحتلها كولومبيا في منطقة أمريكا اللاتينية.
ضربة جديدة لـ«البوليساريو»
ويشكل قرار بوغوتا، في حال تثبت تفاصيله رسميا، تطورا دبلوماسيا مهما بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى أن كولومبيا تعد من الدول المؤثرة في أمريكا اللاتينية، كما أن قرارها بوقف الاتصالات والدعم داخل المنظمات الدولية يحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية.
ومن شأن هذا التحول أن يضعف حضور جبهة «البوليساريو» في إحدى أهم المناطق الدبلوماسية خارج القارة الإفريقية، خصوصا مع اتجاه عدد من الدول إلى إعادة تقييم مواقفها السابقة من النزاع، مقابل تنامي العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الرباط.
كما أن عضوية كولومبيا الحالية في مجلس الأمن تضفي أهمية إضافية على القرار، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه بوغوتا داخل المؤسسات الدولية في المرحلة المقبلة.
الرباط وبوغوتا أمام مرحلة جديدة
وتؤشر الخطوة الكولومبية، في نهاية المطاف، إلى انتقال العلاقات بين الرباط وبوغوتا من مستوى التعاون التقليدي إلى شراكة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية واستراتيجية أوسع.
وبينما كرست كولومبيا موقفها الجديد بشأن الوحدة الترابية للمغرب، تبدو أمام البلدين فرصة لترجمة هذا التقارب إلى مشاريع ملموسة في التجارة والاستثمار والموانئ والسياحة والأمن الغذائي.
وهكذا، لا يقتصر القرار على تجميد علاقة كولومبيا بـ«الجمهورية الصحراوية»، بل يمثل، وفق ما أعلنته الخارجية الكولومبية، إعادة توجيه أوسع للسياسة الخارجية الكولومبية تجاه المغرب وقضية الصحراء، بالتوازي مع فتح صفحة جديدة في الشراكة بين البلدين

