كشف تقرير حديث حول أوضاع سوق الشغل في المغرب أن قضية التشغيل ما زالت تمثل أحد أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه البلاد، مؤكداً أن البطالة باتت تضغط بقوة على الأسر والمجتمع، خاصة في صفوف الشباب الحاصلين على شهادات جامعية أو تكوينات تقنية. وأوضح التقرير أن معدل البطالة وصل إلى مستويات مقلقة، مع تفاوت واضح بين المناطق الحضرية والقروية، وبين الفئات المتعلمة والأقل تعليمًا.
وأكد التقرير أن التشغيل الذاتي أصبح خيارًا استراتيجيًا متزايد الأهمية لدى فئة واسعة من الشباب الباحثين عن الاستقلالية وفرص الابتكار، لكنه في الوقت نفسه محفوف بصعوبات كبيرة. وأبرز أن المقاولين الذاتيين يواجهون عراقيل تمويلية خانقة، وضعفًا في التكوين بمجالات أساسية مثل التدبير المالي والتسويق، إضافة إلى التعقيدات الإدارية والضريبية التي تعرقل انطلاقة المشاريع. كما سجل التقرير أن غياب الحماية الاجتماعية يجعل هذا النوع من التشغيل هشًا أمام المخاطر الصحية والمالية.
وأشار التقرير إلى أن القطاع العام، رغم ما يقدمه من استقرار وظيفي وضمانات اجتماعية، يعاني من مشاكل هيكلية عميقة، أبرزها البيروقراطية والجمود الوظيفي الذي يقلل من إنتاجية الموظفين ويضعف روح المبادرة. ولفت إلى أن المحسوبية في التوظيف والاحتكار في بعض المناصب يساهمان في الحد من تكافؤ الفرص، مما يحول القطاع العام من فضاء للترقي الاجتماعي إلى مسار مقيد بالروتين وضعف الابتكار.
وبحسب التقرير، فإن القطاع الخاص يمثل المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني من خلال تنوع مجالات عمله وقدرته على استيعاب اليد العاملة. غير أنه يفتقر بدوره إلى الاستقرار الوظيفي، حيث تهيمن العقود المؤقتة وتغيب الضمانات الاجتماعية الكافية. كما سجل التقرير استمرار التمييز وعدم تكافؤ الفرص بين الجنسين وبين مختلف الفئات العمرية، فضلاً عن الضغوط الكبيرة المرتبطة بالمنافسة التي تؤثر سلبًا على جودة حياة الأجراء.
وأفاد التقرير أن الإشكالية الكبرى تكمن في محدودية السياسات العمومية وضعف فعاليتها في خلق فرص عمل حقيقية، إذ لم يتم بعد بناء رؤية مندمجة للتشغيل قادرة على الموازنة بين التشغيل الذاتي والتوظيف التقليدي. كما أبرز أن ضعف التنسيق بين الدولة والقطاع الخاص، وبطء إصلاح منظومة التكوين المهني، وتعقيد الإجراءات الإدارية، كلها عوامل تعمق أزمة الشغل وتزيد من هشاشة أوضاع الشباب.
وشدد التقرير على أن تجاوز هذه الأزمة يتطلب تبسيط المساطر الإدارية المرتبطة بالمشاريع، وتقديم دعم مالي وقانوني للمقاولين الذاتيين، مع ضمان حماية اجتماعية شاملة. كما دعا إلى تحديث بنية القطاع العام بما يتيح تعزيز الكفاءة والشفافية، وتطوير شراكات مبتكرة بين القطاعين العام والخاص لتوفير برامج تدريبية وفرص عملية حقيقية.
وختم التقرير بالتأكيد على أن أزمة التشغيل في المغرب لم تعد مجرد مسألة اقتصادية مرتبطة بخلق فرص عمل، بل تحولت إلى رهان مجتمعي شامل يمس ثقة الشباب في السياسات العمومية. ورأى أن استمرار غياب حلول جذرية وفعالة سيجعل من البطالة قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد الاستقرار، ما لم تتحرك الدولة بشكل عاجل لإرساء إصلاحات أكثر جرأة وواقعية.

