Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

ثورة الملك والشعب استمرارية دائمة لبناء مغرب الغد

يحتفل المغاربة في شهر غشت من كل سنة بذكرى وطنيتين بارزتين في تاريخهما الحديث ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت، وذكرى عيد الشباب في 21 غشت. ليست هاتان المناسبتان مجرد محطات احتفالية عابرة، بل هما عنوانان لروح وطنية متجددة، ورمزان لمعادلة عميقة بين التاريخ والنضال من جهة، والإصلاح والتنمية من جهة أخرى. فبين استحضار معركة التحرير التي قادها جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه إلى جانب شعبه، وبين الاحتفاء بدور الشباب كطاقة مستقبلية متجددة تحت القيادة الملكية الحالية، يظهر جلياً أن المغرب لا ينظر إلى الماضي كتاريخ جامد، بل كمنارة هادية لمشاريع الإصلاح والتحديث التي يعرفها الوطن اليوم.
و تمثل ثورة الملك والشعب سنة 1953 حدثاً مفصلياً في تاريخ المغرب الحديث. حين قررت سلطات الاستعمار الفرنسي نفي الملك الشرعي محمد الخامس وأسرته، اعتقاداً منها أنها تستطيع فصل العرش عن الشعب، انفجرت واحدة من أروع الثورات الشعبية في التاريخ المعاصر. فقد التحم الشعب بملكه، وتحوّل النفي إلى لحظة ميلاد جديد للوعي الوطني، وتكريس لشرعية العرش في وجدان المغاربة.
و أبرزت هذه الثورة أن علاقة الملك بشعبه ليست علاقة سياسية ظرفية، وإنما رباط تاريخي وروحي متجذر في البيعة والولاء المتبادل. ومن رحم هذه الملحمة، انطلقت معارك الكفاح المسلح والمقاومة، وصولاً إلى الاستقلال سنة 1956، حيث عاد الملك محمد الخامس مظفراً إلى عرشه، مؤسساً لمرحلة بناء الدولة الوطنية.
وتعد الرسالة الكبرى لهذه الثورة تكمن في أن أي محاولة لفصل المغرب عن مقوماته، أو لتفكيك الوحدة بين العرش والشعب، محكوم عليها بالفشل. وقد تحولت هذه الدروس إلى عقيدة وطنية تحمي البلاد في مواجهة كل التهديدات، من الاستعمار الأمس إلى الإرهاب ومحاولات زعزعة الاستقرار اليوم.
في اليوم الموالي لذكرى الثورة، يحتفل المغاربة بـ عيد الشباب، الذي يتزامن مع ذكرى ميلاد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله. إن رمزية هذا العيد أبعد من مجرد مناسبة شخصية؛ إنه تعبير عن الإرادة الملكية في جعل الشباب في قلب المشروع الوطني.
لقد أكد جلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش سنة 1999 أن “قضية الشباب” هي قضية استراتيجية. من هنا جاءت المبادرات الملكية المتعددة، من إنشاء المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى البرامج الخاصة بالتعليم والتكوين المهني، إلى تشجيع ريادة الأعمال والابتكار الرقمي، وصولاً إلى سياسة الجهوية المتقدمة التي تفتح أمام الشباب آفاق المشاركة في القرار المحلي، وعيد الشباب بهذا المعنى ليس مجرد تخليد، بل هو محطة لتجديد الثقة في طاقات الشباب، ودعوتهم للمساهمة في بناء مغرب حديث، متطور، ومزدهر، و إذا كانت ثورة الملك والشعب قد دشنت مرحلة التحرير وبناء الدولة، فإن المغرب اليوم يعيش ثورة جديدة لا تقل أهمية: ثورة الإصلاح والتنمية المستدامة. إنها ثورة يقودها جلالة الملك محمد السادس بشراكة مع الشعب، ضد الفقر و الفوارق المجالية و ضعف التعليم و الصحة، وضد كل أشكال التهديد لأمن واستقرار الوطن.
وعرف المغرب في العقدين الأخيرين حقق قفزات نوعية في عدة مجالات تحديث البنيات التحتية الكبرى (الطرق السيارة، ميناء طنجة المتوسط، القطار الفائق السرعة تعزيز موقعه الإقليمي كقطب اقتصادي وسياسي في إفريقيا، و إطلاق مشاريع استراتيجية في مجال الطاقات المتجددة (نور بورزازات كنموذج عالمي، و إصلاحات كبرى في مجال العدالة الاجتماعية والتعليم والصحة، وومع ذلك، تبقى هذه الثورة الإصلاحية في حاجة دائمة إلى تعبئة جماعية، تماماً كما كانت ثورة الملك والشعب في حاجة إلى التفاف وطني.
و أبرز أبعاد استمرارية ثورة الملك والشعب، هو قدرة المغرب على مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة، وفي مقدمتها خطر الإرهاب. فكما وحّد النفي الاستعماري بالأمس الصفوف، توحد اليوم التحديات الأمنية مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع في جبهة واحدة لحماية الاستقرار.
لقد اعتمد المغرب مقاربة شاملة لمحاربة الإرهاب، تقوم على ثلاثة أبعاد الأمني الاستباقي في تفكيك الخلايا الإرهابية قبل تحركها الديني والروحي في نشر نموذج وسطي معتدل عبر مؤسسة إمارة المؤمنين، ومعهد تكوين الأئمة و التنموي والاجتماعي في معالجة أسباب التطرف من خلال محاربة الفقر والهشاشة، و هذه المقاربة جعلت المغرب نموذجاً إقليمياً ودولياً في مكافحة الإرهاب، وحافظت على صورته كواحة استقرار في محيط إقليمي مضطرب.
و يأتي عيد الشباب ليؤكد أن مستقبل هذه الثورة التنموية رهين بمدى قدرة البلاد على تمكين شبابها. فالجيل الجديد هو حارس القيم الوطنية، وهو أيضاً المهندس القادم للتكنولوجيا والابتكار والتنمية، حيث إن دعم الشباب المغربي اليوم يعني الاستثمار في التعليم العصري والجودة و تشجيع البحث العلمي والابتكار و فتح آفاق ريادة الأعمال والمقاولة الناشئة و تعزيز المشاركة السياسية والمدنية للشباب.
فإذا كانت ثورة الملك والشعب قد صنعت استقلال المغرب بالأمس، فإن شباب اليوم مدعو لصناعة استقلال جديد: استقلال اقتصادي وتنموي قائم على الابتكار والقدرة التنافسية و إن التقاء ذكرى ثورة الملك والشعب مع عيد الشباب، في تزامن تاريخي بارز، يعكس بجلاء معادلة المغرب الدائمة: الوفاء للتاريخ، والانفتاح على المستقبل. فبينما نستحضر ملاحم الكفاح الوطني بقيادة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، نجد أنفسنا مدعوين في ظل قيادة جلالة الملك محمد السادس إلى خوض ملحمة أخرى عنوانها التنمية الشاملة، وحماية الوطن من التهديدات، وبناء مغرب متقدم يقوده شبابه نحو آفاق أرحب.
لاشك أنها ثورة متجددة بين العرش والشعب، ثورة لا تنتهي بانتصار سياسي أو عسكري، بل تتواصل جيلاً بعد جيل، لتصنع مغرباً يليق بتاريخه، ويستجيب لتطلعات أبنائه، ويصمد أمام تحديات عالم مضطرب.

Exit mobile version