Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

حكاية بونو.. ميلاد كندي ومسيرة مغربية صنعت نجماً عالمياً

ولد في كندا، ونشأ في الدار البيضاء، وتألق في إسبانيا، وبلغ المجد مع المغرب. قصة ياسين بونو ليست مجرد سيرة حارس مرمى، بل رحلة هوية واختيار ومسار صنع أحد أبرز رموز كرة القدم المغربية الحديثة.

لم يكن ميلاد ياسين بونو في مدينة مونتريال الكندية سوى البداية الجغرافية لقصة سلكت لاحقاً طريقاً مختلفاً تماماً. فالحارس الذي أصبح أحد أهم وجوه المنتخب المغربي في العقد الأخير لم يسمح لمكان الولادة بأن يرسم مستقبله الرياضي، إذ عاد إلى المغرب وهو طفل، حيث بدأت علاقته الحقيقية بكرة القدم، وتبلور حلمه بارتداء قميص “أسود الأطلس”.

ومع اقتراب كل مواجهة تجمع المغرب بكندا، كما حدث في كأس العالم 2022 وتتجدد في نسخة 2026، يعود هذا الجانب من سيرته إلى الواجهة، ليس باعتباره مفارقة رياضية فقط، بل لأنه يلخص قصة لاعب اختار الانتماء الكروي مبكراً، رغم امتلاكه كل المقومات القانونية لتمثيل منتخب بلد ميلاده.

ميلاد في كندا… وجذور في الدار البيضاء

وُلد بونو في الخامس من أبريل 1991 بمدينة مونتريال، قبل أن تعود أسرته إلى المغرب خلال سنوات طفولته الأولى، ليستقر في الدار البيضاء، حيث التحق بأكاديمية الوداد الرياضي، وبدأ خطواته الأولى في حراسة المرمى.

وبينما ارتبطت قصص عدد من نجوم المنتخب المغربي بالهجرة نحو أوروبا، جاءت رحلة بونو معاكسة تماماً؛ فقد انتقل من أمريكا الشمالية إلى المغرب، وهناك تشكلت شخصيته الرياضية والإنسانية.

ولم تكن نشأته مرتبطة بظروف اجتماعية صعبة، إذ ينتمي إلى أسرة أكاديمية، فوالده مهندس وأستاذ سابق، وهو ما انعكس على تكوينه الثقافي وإتقانه عدة لغات، بينها العربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وهي عناصر أسهمت في بناء شخصية هادئة ومتزنة داخل وخارج الملعب.

الوداد… المدرسة التي صنعت الحارس

داخل أسوار الوداد الرياضي، تعلم بونو أن حراسة المرمى لا تقتصر على التصديات، بل تشمل القدرة على التعامل مع ضغط الجماهير وتوقعاتها.

تدرج في مختلف الفئات العمرية للنادي قبل أن يبلغ الفريق الأول، ويخوض نهائي دوري أبطال إفريقيا سنة 2011، وهي محطة شكلت أول احتكاك حقيقي له بالمنافسة القارية، ومهدت لانطلاق مسيرته الاحترافية خارج المغرب.

ويرى متابعون أن تلك المرحلة صنعت شخصية الحارس الذي عرف لاحقاً ببرودة أعصابه في أكثر اللحظات حساسية، خصوصاً خلال ركلات الترجيح.

إسبانيا… سنوات النضج والاعتراف

لم يصل بونو إلى النجومية الأوروبية عبر طريق مختصر، إذ بدأ تجربته مع الفريق الرديف لأتلتيكو مدريد، قبل أن يخوض محطات متتالية مع ريال سرقسطة وجيرونا، وصولاً إلى إشبيلية، حيث بلغ قمة مستواه.

وفي النادي الأندلسي، تحول إلى أحد أبرز حراس الدوري الإسباني، بعدما ساهم في التتويج بلقب الدوري الأوروبي، وكان بطلاً لنهائي 2023 أمام روما، بفضل تصدياته الحاسمة في ركلات الترجيح.

كما توج بجائزة “زامورا” لأفضل حارس في الدوري الإسباني موسم 2021-2022، وهو إنجاز نادر لحارس عربي وإفريقي في واحدة من أقوى البطولات الأوروبية.

عندما اختار المغرب

رغم ولادته في كندا، كان بإمكان بونو تمثيل المنتخب الكندي، غير أن قراره جاء مبكراً وحاسماً.

وقال في تصريحات سابقة: “كان حلمي دائماً أن ألعب للمغرب، لقد لعبت في جميع الفئات العمرية للمنتخب المغربي، وكان من الطبيعي أن أحلم باللعب لأسود الأطلس.”

ولم يكن هذا الاختيار وليد نجاحات المنتخب المغربي، بل جاء في مرحلة كان فيها المشروع الكروي الوطني لا يزال يبحث عن الاستقرار، ما منح قراره بعداً يتجاوز الحسابات الرياضية الآنية.

وبعد تمثيله مختلف الفئات السنية، استدعي لأول مرة إلى المنتخب الأول سنة 2012، قبل أن يخوض أول مباراة دولية في غشت 2013.

بطل مونديال قطر

بلغ اسم بونو العالمية خلال كأس العالم 2022 بقطر، عندما قاد المغرب إلى إنجاز تاريخي ببلوغه نصف النهائي.

وكان المشهد الأكثر رسوخاً في ذاكرة الجماهير خلال مواجهة إسبانيا في ثمن النهائي، حين تصدى لضربتي جزاء، وقاد “أسود الأطلس” إلى أول ربع نهائي في تاريخ الكرة المغربية والعربية والإفريقية.

ولم يتوقف دوره عند ذلك، بل واصل تقديم مستويات كبيرة أمام البرتغال، ليسهم في بلوغ نصف النهائي، ويصبح أحد أبرز نجوم البطولة.

ركلات الترجيح… تخصص بونو

إذا كان لكل لاعب علامة فارقة، فإن ركلات الترجيح أصبحت جزءاً من هوية بونو الكروية.

فبعد تألقه مع إشبيلية في نهائي الدوري الأوروبي، عاد ليكرر المشهد مع المنتخب المغربي في كأس العالم، سواء في نسخة قطر أو خلال مونديال 2026، حيث واصل لعب دور المنقذ في اللحظات الحاسمة.

ويرى متابعون أن نجاحه المتكرر في هذه المواقف لا يرتبط بالحظ، بقدر ما يعكس قراءة دقيقة للمنافسين، وتحضيراً ذهنياً، وقدرة استثنائية على التعامل مع الضغط.

محطة الهلال… والاستمرار في القمة

في صيف 2023، انتقل بونو إلى الهلال السعودي، ضمن موجة انتقالات شهدها الدوري السعودي، لكنه حافظ على مكانته داخل المنتخب المغربي، واستمر في تقديم مستويات عالية.

كما توج بجائزة أفضل حارس في إفريقيا سنة 2023، مؤكداً أن انتقاله خارج أوروبا لم يؤثر في حضوره التنافسي أو مكانته الدولية.

أكثر من مجرد حارس

تختزل قصة ياسين بونو جانباً من التحول الذي عرفه المنتخب المغربي خلال السنوات الأخيرة؛ منتخب يجمع لاعبين ولدوا في قارات مختلفة، لكنهم التقوا حول مشروع رياضي وهوية وطنية واحدة.

فالحارس الذي وُلد في كندا، وتكوّن في المغرب، وتألق في إسبانيا، وواصل مسيرته في السعودية، ظل يقدم نفسه باعتباره حارساً مغربياً قبل أي شيء آخر.

ولهذا، حين يقف بونو في مواجهة منتخب كندا، لا تبدو المباراة مواجهة مع بلد الميلاد بقدر ما تجسد مسار لاعب اختار مبكراً أن يكون حلمه، ومستقبله، وقصته الكروية… مغربية بالكامل.

Exit mobile version