Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

حكاية من سنوات الرصاص الانتخابي

– عبد الرفيع حمضي

 

تحدثنا في المغرب كثيرا عن «سنوات الرصاص». كما عاشها المناضلون، وكتب عنها الباحثون، وأرخ لها الحقوقيون، واستمع إلى ضحاياها الداخل والخارج وفتحت ملفات الانتهاكات الجسيمة، وجبرت هيئة الإنصاف والمصالحة الضرر الفردي والجماعي، ودخل جزء من تلك المرحلة إلى الذاكرة الوطنية.

لكن إلى جانب سنوات الرصاص التي نعرفها، كانت هناك، مجازا، «سنوات رصاص انتخابي» أيضا.

لها حكاياتها ومرارتها، ولها شهود ما زال كثير منهم بيننا. ولكل من عاش انتخابات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، من داخل الأحزاب أو الإدارة أو مكاتب التصويت، بالتأكيد له حكاية تستحق أن تروى.ولي منها نصيب.

في الانتخابات التشريعية لسنة 1984، كنت واحدا من شباب الشبيبة الاتحادية بوزان. يوم الاقتراع الجمعة 14 شتنبر تم توزيعنا على مكاتب التصويت لتمثيل مرشح الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المرحوم أحمد وهبي.

كان نصيبي مكتبا في البادية،

وصلت في الصباح الباكر، بكثير من حماس الشباب وقليل من التجربة. وجدت رئيس المكتب وأعضاءه وممثلي بعض الأحزاب، وأخذ كل واحد مكانه. كانت مهمتي، كما فهمتها، بسيطة: أراقب الاقتراع، وإذا وقع خرق أعترض وأطلب تسجيله في المحضر.

وصل القايد، ببدلته الرسمية، ومعه أفواج من الناخبين، أغلبهم من الفلاحين، نساء ورجالا. ينزلون من الجرار جماعات، ويدخلون تباعا إلى مكتب التصويت، يأخذون ورقة تصويت واحدة ويضعونها في الصندوق تحت إشراف القايد. وكان المرشح البرتقالي يومها بطل الرواية.

مرت المجموعة الأولى، وفي الثانية اعترضت.

قلت: «السيد الرئيس، هذا خرق، وأطلب تسجيله في المحضر».

أجابني مطمئنا: «طبعا، سنقوم باللازم».

لكن الرجل نادى القايد وقال له أمامي: «سعادة القايد، ممثل مرشح الاتحاد الاشتراكي يطلب تسجيل هذا الخرق في المحضر».

اقترب مني القايد وطلب مني أن أتبعه. فتبعته. أدخلني إلى غرفة ملحقة بمكتب التصويت، ثم أغلق الباب علي بالمفتاح من الخارج.

بقيت هناك إلى أن انتهى الاقتراع، وفرزت الأصوات، وأعلنت نتائج المكتب. بعدها جاء القايد بنفسه، حوالي الساعة الثامنة فتح الباب، وسلمني المحضر، وقال لي بعبارة ما زلت أذكرها إلى اليوم:

«سير أولدي، ديها فقرايتك ومتباعشي هاذوك».

أستعيد هذه الحكاية بعد أكثر من أربعين سنة، لا لمحاكمة أشخاص ولا لاستدعاء خصومات مرحلة انتهت. فالمغرب عاد إلى جزء مهم من ماضيه بالمراجعة والنقد والمصالحة والإصلاح.

أستعيدها حتى لا ننسى من أين بدأنا ونحن نناقش أين وصلنا.

فقد راكم المغرب أكثر من ستة عقود من التجربة الانتخابية. تغير خلالها البلد ومؤسساته ومجتمعه، وادارته ، وتراجعت ممارسات كانت في مراحل سابقة جزءا من المشهد الانتخابي.

اما المشهد الحزبي فقد تغير هو الآخر، وان كان لسي دائما في الاتجاه الذي كنا ننتظره. فمن يتذكر قوة النقاش السياسي في مراحل سابقة، والاختلاف بين البرامج والمواقف، وحضور الأحزاب في تأطير المواطنين، يلاحظ اليوم تراجعا في الخطاب السياسي، وضعفا في النقاش الداخلي، وارتباكا في تدبير الترشيحات، وتراجعا في وظيفة التأطير، وأحيانا صعوبة في التمييز بين هذا وذاك.

ولا أقول ذلك لإقامة مفاضلة بين الفاعل الاداري والحزبي ، أو لتحميل الفاعل الحزبي وحده مسؤولية ما آل إليه الحقل السياسي. فتاريخ العلاقة بين الإدارة والأحزاب في المغرب أكثر تعقيدا، وما أصاب جزءا من النسيج الحزبي لا يمكن فصله عن تاريخ تدبير المجال السياسي نفسه.

إنها تجربة واحدة، بأطرافها وتفاعلاتها ومسؤولياتها المتعددة.

لقد تغيرت أشكال الاختلال، كما تغير الفاعلون والمجتمع والناخب. ولعل استعادة هذه الحكايات هو اساسا لقياس مسافة التحول، وفهم ما ربحناه وما فقدناه وما بقي علينا أن نبنيه.

فالديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع أكثر نزاهة، وإنما أيضا إدارة محايدة، وأحزاب قوية، ومرشحون ذوو مصداقية، وبرامج قابلة للنقاش، ومواطن يجد أمامه اختيارات سياسية حقيقية.

وبين ما يقال وما لا يقال… لم يعد السؤال اليوم من يملك مفتاح الغرفة التي أغلقها القايد، بل من يملك مفاتيح استعادة الثقة في الانتخابات، وفي الأحزاب، وفي السياسة نفسها.

Exit mobile version