Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

خبراء بالصويرة: الثقافة الكناوية قوة ناعمة مغربية صنعت إشعاعها العالمي دون أن تفقد هويتها

أكد باحثون ومؤرخون وأنثروبولوجيون وفنانون، خلال لقاء احتضنته مدينة الصويرة، أن الثقافة الكناوية نجحت في التحول إلى نموذج عالمي للتراث اللامادي، بعدما استطاعت الجمع بين الوفاء لجذورها التاريخية والانفتاح على مختلف الثقافات، دون التفريط في خصوصيتها وهويتها الأصيلة.

وجاء هذا اللقاء، المنظم ضمن فعاليات الدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم، في إطار الشراكة التي تجمع المهرجان بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، عبر “كرسي التحولات”، بهدف فتح نقاش أكاديمي حول التحولات الثقافية والاجتماعية التي تعرفها المجتمعات المعاصرة، واستكشاف مكانة الثقافة الكناوية ضمن هذا السياق.

وسلط المشاركون الضوء على الامتدادات التاريخية لهذا التراث، باعتباره نتاجا لمسارات حضارية ربطت المغرب ببلدان إفريقيا جنوب الصحراء والمغرب الكبير والعالم العربي، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز التعبيرات الموسيقية والثقافية ذات الحضور الدولي.

وأكد أستاذ العلوم السياسية المغربي الأمريكي والناقد الموسيقي هشام عايدي أن الموسيقى الكناوية نسجت، عبر عقود، علاقات وثيقة مع موسيقى الجاز وعدد من المدارس الموسيقية العالمية، مبرزا أن التعاون الذي جمع الموسيقار الأمريكي راندي ويستون بالمعلم عبد الله الكورد شكل محطة مفصلية في التعريف بهذا الفن خارج المغرب، خاصة بعد إصدار ألبوم “موسيقيو كناوة الرائعون في المغرب” الذي بلغ ترشيحات جوائز “غرامي”.

ودعا عايدي إلى إعادة كتابة تاريخ الثقافة الكناوية من منظور مغربي وإفريقي، معتبرا أن الكثير من الدراسات السابقة ظلت متأثرة بمقاربات تعود إلى المرحلة الاستعمارية، وهو ما يستوجب استعادة السرد التاريخي لهذا التراث بما يعكس أبعاده الروحية والثقافية والحضارية.

من جانبه، اعتبر الأستاذ الأمريكي آر. أ. جودي أن الثقافة الكناوية ينبغي أن تدرج ضمن التاريخ الواسع للجاليات والثقافات الإفريقية، مشيرا إلى أن الروابط التي تجمعها بتقاليد مثل “الستنبالي” و”الديوان” و”الزار” تعكس إرثا مشتركا يتجاوز الحدود الوطنية.

وأشار إلى أن الدراسات الأكاديمية، خصوصا في مجال الدراسات الإفريقية الأمريكية، لم تمنح الثقافة الكناوية المكانة التي تستحقها، رغم تأثيرها الواضح في الموسيقى العالمية والعلاقات التي نسجها معلمو كناوة مع كبار فناني الجاز.

بدوره، أوضح المؤرخ الأمريكي ناثان تشابمان لين أن الجالية ليست مجرد حفاظ على الماضي، بل فضاء دائم لإعادة إنتاج الثقافة وتطويرها، معتبرا أن التجربة الكناوية تجسد قدرة التقاليد على التجدد المستمر دون التخلي عن جذورها.

وفي السياق نفسه، شددت الباحثة الأمريكية كاي مورا على أن الثقافة الكناوية لا يمكن اختزالها في أصل جغرافي واحد، بل هي ثمرة شبكة واسعة من التفاعلات الثقافية، مبرزة التشابه بين آلة “الكمبري” وآلات موسيقية منتشرة في غرب إفريقيا والأمريكيتين، وهو ما يعكس عمق الروابط التاريخية والثقافية بين هذه الفضاءات.

كما ناقش المشاركون، خلال جلسة ثانية، الأبعاد الطقسية والعلاجية للثقافة الكناوية، من خلال استحضار مفهوم “الجذبة” وحالات الوعي الطقسي، باعتبارها جزءا من منظومة معرفية وروحية لا تزال تحافظ على حضورها داخل المجتمع المغربي، مع فتح المجال أمام قراءات علمية وأنثروبولوجية جديدة لهذا الموروث.

ويواصل “كرسي التحولات”، إلى جانب باقي المبادرات العلمية المصاحبة لمهرجان كناوة، العمل على تعزيز البحث الأكاديمي حول هذا التراث، وربط المعرفة الجامعية بالإبداع الفني، بما يسهم في ترسيخ الثقافة الكناوية داخل فضاءات التعليم العالي، وتعزيز إشعاعها الفكري والعلمي على المستويين الوطني والدولي.

Exit mobile version