الهزيتي محمد أنور، خبير في التنمية المجالية وعضو المعهد الدولي للعلوم الإدارية
في خطابٍ سام ذو دلالات ورسائل عميقة، أُلقي في افتتاح السنة التشريعية الأخيرة للبرلمان المغربي الحالي، دعا جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى تسريعٍ حاسمٍ لأجندة الإصلاحات في البلاد، حاثًّا المشرّعين والحكومة على الانتقال من “التخطيط إلى التنفيذ” لضمان عدالة اجتماعية أكبر وتنمية مجالية متوازنة.
وقد امتزجت في هذا الخطاب، الذي أُلقي أمام مجلسي البرلمان في 10 أكتوبر، الاستمرارية مع الإسراع في التنفيذ. وأكد جلالته رؤيته لـ”مغربٍ صاعد وموحد” – أمةٍ ناشئةٍ ودامجة – مع الدعوة إلى إحراز تقدمٍ ملموسٍ في تنفيذ البرامج الاجتماعية والاقتصادية.
الإصلاح، ضرورة استراتيجية
استهل جلالة الملك خطابه السامي بتهنئة البرلمانيين على دورهم كمشرّعين وكمراقبين للعمل الحكومي ومقيّمين للسياسات العمومية، لكن سرعان ما أكد توجيهاته الصارمة إلى المنتخبين بضرورة التحلّي بمزيد من الجدية والمسؤولية والكفاءة خلال السنة الأخيرة من ولايتهم.
وقال جلالته لأعضاء البرلمان: “عليكم استكمال الإجراءات التشريعية الجارية وضمان إنجاز البرامج والمشاريع”، في تصريحات يمكن تفسيرها على أنها دعوة مبطنة للانضباط المؤسساتي والمساءلة السياسية.
وحذر جلالته من الجمود البيروقراطي والهدر، واصفًا الاستثمارات العمومية غير الفعّالة بأنها “غير مقبولة”. ودعا جلالته، بدلاً من ذلك، إلى التحوّل نحو ثقافة قائمة على النتائج، قائمة على حكامة مبنية على المعطيات ووسائل رقمية للتقييم والشفافية.
التوفيق بين الطموحات الوطنية والواقع المحلي
كان جوهر خطاب جلالته هو الرؤية الملكية لـ”جيل جديد من برامج التنمية الترابية”، وهي مبادرة تهدف إلى الحد من التفاوتات الترابية الصارخة التي لا تزال قائمة رغم التقدم الاقتصادي الكلي الملحوظ الذي حققه المغرب.
وأكد العاهل المغربي على أن جبال المغرب وواحاته ومناطقه الريفية لا تزال مهمشة رغم مساحتها الوطنية الشاسعة وإمكاناتها الاقتصادية غير المستغلة. ودعا إلى سياسات عمومية متكاملة تتناسب مع خصوصيات هذه المناطق، بالإضافة إلى تنمية مستدامة لسواحل المغرب، لتعزيز اقتصاد أزرق يخلق فرص عمل ويحمي النظم البيئية الهشة.
وأكد جلالة الملك على أن “الانعكاس الحقيقي لتقدم المغرب يكمن في مستوى التنمية المحلية”، جاعلاً العدالة الاجتماعية والترابية أولوية استراتيجية لا مجرد خطاب. وحث على توسيع وتعميم البرنامج الوطني للمراكز القروية الصاعدة كرافعة أساسية لمواجهة ضغوط فتح القرى للتعمير، وتحسين تقديم الخدمات العمومية، وتعزيز النشاط الاقتصادي الصغير في أقاليم المغرب وجماعاته.
المسؤولية المشتركة في الحكامة والتواصل
أكد الخطاب الملكي على أهمية الحكامة الشاملة والتواصل الشفاف. وذكّر النواب بأن واجبهم يتجاوز مجرد التشريع، فهم أيضًا “الصوت والجسر” بين الدولة والمواطنين.
ودعا الأحزاب السياسية والمجالس المنتخبة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني إلى القيام بدور فاعل في شرح السياسات العمومية، وبناء الثقة المدنية، وضمان فهم المواطنين للإصلاحات الوطنية واستفادتهم منها.
استمرار التنمية الشاملة رغم الضغوط العالمية والترابية
يأتي هذا الخطاب السامي في وقت حساس بالنسبة للمغرب. إذ تواجه البلاد متطلبات اجتماعية متزايدة، وضغوطًا ديموغرافية، وتحديات في إعداد بنية تحتية كبرى لكأس العالم لكرة القدم 2030، التي ستستضيفها بالاشتراك مع إسبانيا والبرتغال.
في الوقت نفسه، رسّخ المغرب مكانته كواحد من أكثر القوى السياسية والاقتصادية استقرارًا في أفريقيا، بفضل نموه المستدام، واستثماراته الكبيرة في الطاقة المتجددة، ونفوذه الدبلوماسي المتنامي في أفريقيا والعالم العربي. ومع ذلك، يشير الباحثون ومؤشرات المؤسسات الوطنية إلى أن الفوارق الاجتماعية العميقة – بين سكان المدن والقرى، وكذلك بين الممر الأطلسي المزدهر والمناطق الداخلية من البلاد – لا تزال تُشكّل تحديًا رئيسيًا للحكم الرشيد.
من خلال التأكيد على “العدالة الاجتماعية والترابية” كأساس أساسي لنموذج التنمية المغربي، سعى جلالة الملك إلى تثبيت استمرارية رؤيته مع التركيز بشكل غير مباشر على تحقيق نتائج أسرع وأكثر وضوحًا.
توازن قيادة الملكية المتبصرة
لا بد من القول إن خطاب العاشر من أكتوبر يعكس الاستراتيجية الراسخة لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، والمتمثلة في الجمع بين التخطيط والإدارة من أعلى إلى أسفل للسياسات العمومية والدعوة إلى المسؤولية الجماعية. ولا يزال جلالته، المهندس الرئيسي لمسار الإصلاح المغربي، لكنه يضع المسؤولين المنتخبين بشكل أمام المسؤولية الكاملة عن تنفيذه.
وبالتالي، مع دخول المغرب مرحلة سياسية واقتصادية حاسمة قبل انتخابات 2026، فإن رسالة جلالة الملك واضحة: مصداقية النموذج المغربي تكمن في التأثير لا في النية.
باختصار، يؤكد الخطاب الملكي للعاشر من أكتوبر 2025 على دوره المزدوج كمرشد قيمي ومخطط استراتيجي لتحديث المملكة المغربية. ويتماشى مع التركيز على العدالة الترابية، والكفاءة الإدارية، والحكامة القائمة على المعطيات مع التوجه العالمي نحو صنع السياسات العمومية القائمة على الأدلة. ومع ذلك، فإن نجاح الرؤية الملكية سيعتمد على قدرة الدولة على ترجمتها إلى تغيير ملموس، لا على الخطابة، لا سيما في وجه الشباب والمناطق الضعيفة في المملكة.

