أبرزت التساقطات المطرية والثلجية الاستثنائية التي عرفها المغرب خلال الأشهر الأخيرة نجاعة الرؤية الملكية الاستباقية في تدبير المخاطر الطبيعية، وهي رؤية جعلت من الجاهزية والوقاية وحماية الأرواح خياراً استراتيجياً ثابتاً، وليس مجرد رد فعل ظرفي أمام الأزمات. فرغم قوة الأمطار، واتساع رقعة الاضطرابات الجوية، تمكنت المملكة من تدبير الوضع دون تسجيل خسائر بشرية، في مشهد عكس تطور منظومة وطنية متكاملة لمواجهة الكوارث.
وخلال الفترة الممتدة من فاتح شتنبر 2025 إلى غاية 5 فبراير 2026، سجل المغرب تساقطات مطرية بلغت 150 مليمتراً، بفائض قدره 35 في المائة مقارنة بالمعدل الطبيعي، تميزت بكثافتها وتركيزها في مدد زمنية قصيرة. كما شملت التساقطات الثلجية مساحات شاسعة تجاوزت 55 ألف كيلومتر مربع، وهو ما أدى إلى واردات مائية غير مسبوقة على مستوى السدود، تجاوزت 9.5 مليارات متر مكعب، ورفعت نسبة ملء السدود إلى أكثر من 64 في المائة في ظرف وجيز.
ورغم الطابع الإيجابي لهذه الأرقام على مستوى الأمن المائي، فإن الارتفاع السريع في منسوب المياه شكّل تهديداً حقيقياً بعدد من المناطق المعرضة للفيضانات. غير أن التعامل مع هذا التحدي تم وفق منطق استباقي واضح، نابع من التوجيهات الملكية التي دعت، منذ سنوات، إلى اعتماد التخطيط المسبق، وتقوية أنظمة الإنذار المبكر، وتطوير قدرات التدخل السريع لمواجهة مختلف الكوارث الطبيعية.
وفي هذا الإطار، دخلت مختلف المؤسسات الأمنية والعسكرية في حالة تعبئة شاملة، حيث جرى تجنيد القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والسلطات الترابية، والوقاية المدنية، مدعومة بوسائل لوجستيكية متطورة، وبرصد دقيق لحركة التقلبات المناخية ومستوى الأودية والسدود. هذا التنسيق المحكم لم يكن إجراءً ظرفياً، بل ثمرة استثمارات متواصلة في بناء قدرات الدولة على الاستشراف والتدخل قبل وقوع الأسوأ.
وتجلت هذه المقاربة الاستباقية بشكل واضح في عمليات الإجلاء الواسعة التي همّت عدداً من الجماعات الترابية المهددة بالفيضانات، حيث تم نقل وإجلاء أزيد من 143 ألف مواطن إلى مناطق آمنة، وفق خطط محكمة راعت درجات الخطورة، وحرصت على توفير شروط السلامة والكرامة للمواطنين. وقد تمت هذه العمليات بشكل تدريجي ومنظم، ما حال دون وقوع حالات هلع أو ارتباك، وساهم في حماية الأرواح والممتلكات.
ولم تقتصر التدخلات على الإجلاء، بل شملت أيضاً تأمين البنيات التحتية الحيوية، ومراقبة الطرق والمنشآت، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، بما فيها تزويد السوق الوطنية بالمواد الضرورية، رغم الصعوبات التي فرضتها الاضطرابات الجوية على الملاحة والنقل. كما واصلت خلايا اليقظة، المحدثة في إطار سياسة استباقية، عملها على مدار الساعة لتتبع المستجدات والتدخل الفوري عند الحاجة.
ويعكس هذا النموذج في التدبير ثمرة الرؤية الملكية التي راهنت على جعل المغرب أكثر قدرة على الصمود أمام الكوارث الطبيعية، من خلال الانتقال من منطق التدخل بعد وقوع الأضرار، إلى منطق الوقاية والاستعداد المسبق. وقد تُرجم هذا التوجه في تعزيز البنيات التحتية، وتطوير آليات الرصد والتتبع، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، إلى جانب الاستثمار في العنصر البشري والتكوين المستمر.
ورغم أن الاضطرابات الجوية شملت عدداً من الدول المجاورة، فإن التجربة المغربية أظهرت تميزاً في طريقة التعاطي مع المخاطر، حيث جرى التحكم في الوضع دون تسجيل ضحايا، وهو ما يشكل مؤشراً قوياً على نجاعة الخيارات الاستراتيجية المعتمدة. كما أعاد هذا الظرف التأكيد على مركزية الإنسان في السياسات العمومية، باعتباره محور أي تدخل أو قرار.
وهكذا، لم تكن الأمطار الاستثنائية مجرد حدث مناخي عابر، بل محطة كشفت متانة المنظومة الوطنية لتدبير الكوارث، وأكدت أن الرؤية الملكية الاستباقية في هذا المجال لم تعد خياراً مستقبلياً، بل واقعاً ملموساً يحمي الأرواح ويعزز ثقة المواطنين في قدرة دولتهم على مواكبة التحولات المناخية المتسارعة، بثبات ومسؤولية.

