Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

رؤية ملكية تحوّل الصحراء المغربية إلى نموذج تنموي إفريقي

يحيي الشعب المغربي، في الرابع عشر من غشت من كل عام، ذكرى وطنية راسخة في الوجدان الجماعي، تتمثل في استرجاع أقاليم وادي الذهب سنة 1979، وهي محطة بارزة في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة، وتجديد البيعة والولاء بين العرش والشعب في الأقاليم الجنوبية. ففي ذلك اليوم التاريخي، قدّم شيوخ وأعيان قبائل وادي الذهب بيعتهم للملك الراحل الحسن الثاني بالعاصمة الرباط، في مشهد جسّد التلاحم الوطني والإرادة الجماعية في مواجهة الاستعمار وترسيخ السيادة المغربية على كامل ترابها.

غير أن هذه الذكرى لم تظل حبيسة البعد الرمزي والسياسي، بل تحوّلت إلى نقطة انطلاق لمسار تنموي شامل بالأقاليم الجنوبية، بفضل رؤية ملكية جعلت من الصحراء المغربية نموذجاً للتكامل بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الروابط مع العمق الإفريقي. وشهدت منطقة وادي الذهب، ولا سيما مدينة الداخلة، تحولات عميقة جعلتها قطباً اقتصادياً صاعداً، مدعومة بمشاريع استراتيجية كبرى، أبرزها ميناء الداخلة الأطلسي الذي يشيد باستثمارات تفوق 12 مليار درهم، ومشاريع الطاقة المتجددة التي توظف الرياح والشمس لتلبية الطلب المحلي وتصدير الطاقة، فضلاً عن وحدات صناعية لتثمين الثروة السمكية وتصديرها نحو أسواق دولية، مما وفّر آلاف فرص العمل.

كما ساهمت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في تحسين حياة السكان عبر دعم التعليم ومحاربة الهدر المدرسي، وتمكين النساء والشباب بمشاريع مدرّة للدخل، وتعميم خدمات الماء والكهرباء والصحة، بما يعكس إرادة الدولة في تحقيق العدالة المجالية والارتقاء بالبنية التحتية، من الطريق السريع تيزنيت–الداخلة إلى مشاريع السياحة البيئية والبحرية التي جعلت من المنطقة وجهة عالمية.

وتأتي ذكرى 14 غشت اليوم لتؤكد أن الكفاح الوطني لم ينته باسترجاع الأرض، بل يتواصل عبر بناء الإنسان، وتحصين الهوية الوطنية، وتحويل الأقاليم الجنوبية إلى رافعة للتنمية الإفريقية. وبين الأمس واليوم، تتواصل المسيرة تحت قيادة الملك محمد السادس نحو ترسيخ مكانة الصحراء المغربية كمركز إقليمي للابتكار والاستثمار، في ظل شعار خالد يوجّه خطوات المغاربة: “الله، الوطن، الملك”.

و تشكل معطيات حديثة حول النمو الاقتصادي والبنية التحتية في وادي الذهب وأقاليمه الجنوبية عبر النمو الاقتصادي المتسارع فمنذ إطلاق “النموذج التنموي الخاص بالمناطق الجنوبية” في 2015، سجلت منطقة الداخلة – وادي الذهب نموًا اقتصاديًا قوياً بنسبة 12.9 % خلال الفترة 2008–2017، وهي من أعلى المعدلات على مستوى المملكة.
و يؤكد حجم الاستثمار المنجَز حديثًا انه في عام 2024، وافقت اللجنة الإقليمية للاستثمار على 118 مشروعًا استثماريًا بقيمة تفوق 2 مليار درهم، ما وفّر حوالي 2 465 فرصة عمل مباشرة، أبرزها في قطاع الصحة (حوالي 1.53 مليار درهم)، يليه السياحة والخدمات والصناعة والأحواض السمكية.
وتعد المشاريع الكبرى في البنية التحتية من خلال ميناء الداخلة الأطلسي: بلغت نسبة إنجازه حوالي 26 % في نهاية 2024، ما يؤكد تقدمه بخطى ثابتة نحو جعل المنطقة مركزًا لوجيستيًا إقليميًا و محطة تحلية المياه: وصلت نسبة تقدم أشغالها إلى أكثر من 57 %، في خطوة محورية لضمان الاستدامة البيئية ورفد التنمية المحلية و ريادة تنموية وفعالية على المستوى الوطني في عام 2016، شكلت المناجم والأنشطة الأولية (الزراعة، الصيد) 25.9 % من قيمة الناتج المحلي في منطقة الداخلة، مقارنةً بمعدل 12 % على المستوى الوطني، ما يبرز أهمية هذه القطاعات ، كما ساهم قطاع الخدمات (الأنشطة الثلاثية) بنسبة 65 % من قيمة الناتج المحلي الإقليمي، مقابل نحو 50 % على المستوى الوطني.
وتعدد المنطقة موقع استراتيجي وموارد طبيعية واسعة حيث تحتل منطقة الداخلة – وادي الذهب مساحة تبلغ حوالي 142 865 كم² (حوالي 20 % من مساحة المملكة)، لكنها تعدّ الأقل كثافة سكانية حيث لا يتجاوز عدد السكان حوالي 143 ألف حسب إحصاء 2014 و تتميز المنطقة بواجهة بحرية طويلة تمتد حوالي 667 كم، ما يوفّر مناخًا مثاليًا لتطوير الصيد واللوجستيك البحري والسياحة.
وجاء تعزيز المقاولات الذاتية والتنمية اللوجيستية حيث اطلقت مبادرات هامة، من بينها اتفاقية لتمكين ودعم رواد الأعمال الذاتيين في مختلف مراحل تطوير مشاريعهم، تشمل التكوين، التمويل، المتابعة، إضافةً إلى إنشاء منصة رقمية وتوفير نظام دعم مؤسسي عبر إنشاء مُتنزهات لوجستية بمعايير بيئية حديثة في مناطق “بئر كندوز” و”الكركارات” على مساحة 30 هكتارًا لكل منهما، لدعم نشاطات مثل النقل، التخزين، والتخليص الجمركي، مع توفير الخدمات الأساسية.
و تعززت مكانة دولية متعززة حيث اكدت السيدة سفيرة المغرب بإسبانيا، خلال منتدى اقتصادي عقد بمادريد في أبريل 2024، أن منطقة الداخلة – وادي الذهب أصبحت قطبًا اقتصاديًا إقليميًا حيويًا، مع فرص استثمارية واعدة في قطاعات متعددة مثل البنية التحتية والطاقة والزراعة والثقافة والسياحة والصيد.

Exit mobile version