في التاسع من أكتوبر 2023، بعد يومين فقط من اندلاع الحرب على غزة، صدر أول أمر إخلاء للحي الذي كنت أعيش فيه قرب الجامعة الإسلامية. في اليوم التالي، دُمّرت مباني جامعتي. المباني التي قضيت فيها عامين كاملين من حياتي اختفت بين ليلة وضحاها. لم تكن هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها الجامعة الإسلامية للدمار، لكن هذه المرة كان الدمار أكبر، وتبع ذلك التدمير ضربات على جميع الجامعات الأخرى في غزة.
الجامعات في غزة ليست مبانٍ فحسب، بل كانت مستقبلنا أيضًا. سنوات من الدراسة تحوّلت إلى حالة من عدم اليقين، واضطررنا لإعادة بناء أحلامنا من الصفر. في الخيام ومراكز الإيواء المؤقتة، أصبح التعلم لا مجرد تحصيل للمعرفة، بل فعل بقاء وطريقة للتشبث بإمكانية غدٍ أفضل.
طوال سنوات دراستي؛ من المرحلة الابتدائية وحتى الثانوية، كنت من المتفوقين. كانت سنة التوجيهي، رغم كلّ الضغوط التي عشتها خلالها رائعة للغاية، إذ كنت محاطًا بالأصدقاء، نذهب إلى المدرسة معًا، ونحضر الدروس وندرس جنبًا إلى جنب.
صباح 30 تموز 2022، والساعة تقترب من التاسعة. كنت جالسًا محاطًا بعائلتي، والانتظار يثقل اللحظة، فلم أنم منذ ليلتين من كثرة التفكير بنتيجة التوجيهي، وفجأة ظهرت أمامي رسالة تقول: 89.7%. كانت لحظة فرح لا يوصف، ليس لي وحدي بل لعائلتي التي غمرتها السعادة أكثر مني. هذا المُعدّل يعني أن كل الأبواب مفتوحة أمامي لاختيار التخصص الذي أريده في الجامعة. في ذلك اليوم، جاء عمي ليهنئني، ولم ينسَ أن يطرح السؤال المعتاد في عائلاتنا، وربما في كل العالم العربي: «مهندس ولّا دكتور؟».
لم أكن أعرف الجواب، وكل ما كنت أريده هو لحظة راحة، وأن أنام دون تفكير، لكن النوم لم يدق بابي. ظل السؤال يلاحقني في صمت: «ماذا ستدرس يا حسن؟» ومع مرور الأيام، بدأ أصدقائي يحسمون خياراتهم؛ أحدهم قرر دراسة الطب في غزة، وآخر سيسافر إلى مصر. سألت نفسي: «هل أريد أن أدرس الطب؟» وكان الجواب دائمًا لا. لم أكن أحب رؤية الدم، ولا رائحة المستشفيات، ولا ضغوط الزي الأبيض. فكرت في الهندسة، ولكنني لم أستطع تخيّل نفسي أسلك هذا الطريق أيضًا.
في منتصف شهر آب 2022 جلست مع أمي، فسألتني بطريقة مختلفة تمامًا هذه المرة: «شو التخصص اللي بتحبه يما؟ وين بتشوف نفسك مبدع؟» كان سؤالها مختلفًا، كأنه لمس شيئًا في داخلي. لم تسألني عن المكانة الاجتماعية أو عن التخصصات المرموقة، بل عن شغفي الحقيقي. لطالما أحببت التحدث مع أشخاص أجانب، ومشاهدة الأفلام بلغات مختلفة، وكنت دائمًا مأخوذًا بالأدب الإنجليزي. لطالما حلمت أن أدرس اللغات في بريطانيا. في تلك الليلة أمسكت هاتفي وبدأت أبحث: أي تخصص يجمع بين هذه الاهتمامات؟ وليلتها وجدت الجواب. وأخيرًا وجدت نفسي. وتلك الليلة زارني النومُ مجددًا.
في اليوم التالي حَسمتُ قراري وأخبرت عائلتي بخياري: «تخصص ترجمة». لم تتوقع عائلتي ذلك، لكن الخبر أسعدهم. أما أصدقائي فلم يتقبلوه بسهولة، خاصة صديقي المقرب «أبو هاشم» الذي كان يستعد لدراسة الطب في مصر ولم يرغب في أن نفترق. ومع ذلك، كنت مصممًا أن أسلك الطريق الذي يناسبني، حتى لو كنت فيه وحدي. التحقت بالجامعة الإسلامية في غزة لأنها الأفضل في هذا التخصص.
كانت الأيّام الأولى في الجامعة صعبة، ولم أفهم كثيرًا مما كان يقوله الأساتذة. لكنني لم أكن وحدي، فأصدقائي الجدد كانوا كذلك مرتبكين. كنت أعرف أن كل بداية صعبة، لكنني كنت أستمتع ببداية رحلة جديدة.
في أول فصل لي، كنت أستيقظ في الخامسة صباحًا لألحق بحافلة الجامعة، حتى لو كانت محاضرتي تبدأ في وقت متأخر، لأنني لم أكن أستطيع تحمّل تكلفة المواصلات العامة، لأعود مساء إلى بيتي مرهقًا. في نهاية الفصل الجامعي الأول حصلت على درجات جيدة. وفي تلك الفترة، قررتُ مع أصدقائي الانتقال من بيتي في رفح جنوب غزة إلى السكن في مدينة غزة، رغم أن هذا لم يكن قرارًا سهلًا بسبب تعلقي العميق بعائلتي وخاصة أمي.
بداية الفصل الجامعي الثاني، استأجرنا شقة بسيطة في حي قريب من الجامعة، وبدأنا فصلًا جديدًا وتجربة مختلفة في حياتنا الجامعية. كنا ثلاثة طلاب نتشارك هذه المساحة الصغيرة، وهناك تعلمت كيف أعتمد على نفسي. شيئًا فشيئًا، بدأت أتعلق أكثر بكوني طالبًا جامعيًا؛ من الجلوس في كافتيريا الجامعة، إلى الذهاب إلى الجيم هناك، وحتى التجول ليلًا في شوارع غزة التي كانت تذكرني بباريس التي رأيتها فقط في الصور؛ شوارع طويلة مضاءة تصلنا بالبحر، ومدينة أكبر من تلك التي جئت منها. بدأت أشعر بسعادة حقيقية في كل تفاصيل حياتي الجامعية، وكان المستقبل يبدو واضحًا أمامي.
كنت أبدأ يومي في كافتيريا الجامعة، مع كوب شاي مليء بالسكر وبعض معجنات الزعتر، ثم أتوجه إلى المحاضرات، وبعدها أحضر دورة تحضيرية لاختبار اللغة الإنجليزية الدولي (IELTS). كان الأمر مرهقًا، ولكنه ممتعًا في الوقت نفسه. وكنت أشعر أنني أقترب أكثر من تحقيق أهدافي يومًا بعد يوم.
عن الساعات التي تغيّر فيها كلّ شيء
كان يوم الأربعاء آخر يوم دراسي جامعي في الأسبوع، وكان اليوم الذي أترقب فيه العودة إلى بيت عائلتي في رفح لقضاء عطلة نهاية الأسبوع، ثم العودة إلى الجامعة يوم الجمعة. كنت أنام في الساعتين اللتين تنقلني فيهما السيارة إلى رفح، حالمًا بالأكلات الشهية التي ستعدّها لي أمّي، خاصة أنني كنت أعيش على الأكل الجاهز، أو «الأكل» الذي كان يعده زملائي.
مساء يوم الجمعة، السادس من أكتوبر، لم تكن لديّ رغبة بالعودة إلى شقتي، بالإضافة إلى أني كنت متعبًا، فقال لي أبي أن أبقى ليوم إضافي وأعود صباحًا بالحافلة كما كنت أفعل سابقًا. وفي صباح يوم السبت، استيقظت الساعة الرابعة صباحًا وأنا أشعر بتحسن، أعددت لنفسي كوبًا من الشاي، من دون أن أتخيل أنه سيكون آخر كوب أشربه وأنا أشعر بالأمان. وفي تمام الساعة السادسة صباحًا، وكان من المفترض أن أغادر بالحافلة باتجاه الجامعة خلال عشر دقائق، سمعت أصوات صواريخ من كل مكان.
اعتدنا في غزة على التصعيدات العسكرية تقريبًا كل عامين، فلم أشعر بالقلق في البداية. ظننت أن الأمر سيكون سريعًا. ولكن الأصوات كانت مختلفة ولم تكن هذه بداية معتادة. شغّلت التلفزيون لأرى ما يحدث، وما رأيته كان انهيارًا مفاجئًا في المنظومة الأمنية للاحتلال، أمرٌ لم نشهده من قبل. أدركت حينها أن هجمات الاحتلال علينا هذه المرة ستكون أشد بكثير.
شكّل ذلك اليوم بداية النهاية. توقفت الدراسة تمامًا. أغلقت الجامعات والمدارس وكل المؤسسات أبوابها. دُمّرت جامعتي بعد يومين فقط. ومنذ تلك اللحظة، صار المستقبل في هذا الشريط الضيق من الأرض مجهولًا.
في الساعات الأولى لم أعرف ماذا أفعل. هل أعود إلى سكني الجامعي في غزة لأحضر أغراضي، أم أترك كل شيء خلفي وأنتظر تحسن الأوضاع؟ كنت قد تركت كل ما هو غالٍ عندي في الشقة؛ حاسوبي المحمول، وملابسي، وكتبي، والشهادات التي جمعتها طوال حياتي. كانت هذه الأشياء أشبه بقطع من روحي، فكيف يمكن أن أتركها فجأة؟ اتصلت بزميلي في السكن، والذي كان ما يزال في الشقة، وطلبت منه أن يجلب لي حاسوبي المحمول وشهاداتي إن استطاع. وعندما عاد لاحقًا إلى الجنوب أحضرها معه. كنت قد عشت حروبًا وتصعيدات سابقة، لكنني كنت أعلم أن ما يحدث هذه المرّة مختلف تمامًا.
لم يكتفِ الاحتلال بقصف الجامعة فقط، بل واستهدف العلماء والدكاترة أيضًا. ومن بين من فقدتهم بشكل شخصي كان الدكتور رفعت العرعير، الأكاديمي والكاتب الذي شكَّل طريقتي في التفكير والكتابة. لم يكن بالنسبة لي أستاذ لغات فقط، بل كان مُعلّمًا وملهمًا. علّمني أن القواعد وحدها لا تكفي، وأن للكتابة روحًا وصوتًا ورسالة يجب أن تترك أثرًا. كان يقول:
«إن كان لا بد لي من الموت،
فلتكن نهايتي حكاية تُروى».
في السادس من كانون الأول 2023، استُهدف العرعير مع أفراد من عائلته في غارة جوية. لكنه لم يرحل، بل تحوّل إلى الحكاية نفسها، حكاية تُرافقنا وتبقى حيّة في كل خطوة نحو المستقبل.
لم يكن دكتوري العزيز وحده من فقدناه. فقد استُهدف العديد من علماء الجامعة الإسلامية أيضًا، بمن فيهم سفيان تايه، رئيس الجامعة الإسلامية وعالم الفيزياء المعروف الذي كرّس حياته لتطوير العلم في غزة. استُشهد الأستاذ تايه في الثاني من كانون الأول 2023.
توقفت العملية التعليمية بشكل كامل وبلا أي أفق. القصف المستمر، والنزوح مستمرّ، والأحلام تتلاشى. لم أعد أفكر في امتحان الـIELTS، بل في الضربة القادمة، من الذي سيستهدف تاليًا، وهل سأنجو حتى صباح الغد؟
مع مرور الأيام، واستمرار القصف، كان الخوف يتصاعد. ومع تعليق التعليم لعدة أشهر، حاولت أن أواصل التعلم بطريقتي الخاصة. بدأت بتعليم الأطفال في مراكز الإيواء الحروف الإنجليزية يوميًا، ثم تطوّعت في توزيع الوجبات في تلك المراكز، ولاحقًا في المطبخ العالمي، إلى أن انضممت أخيرًا إلى المبادرات الإنسانية التي تنظمها الجمعيات المحلية. كنت أحاول أن أساعد بطريقتي، وأن أترك أثرًا رغم الظروف. لكن فجأة، وقبل الثامنة صباحًا من يوم السادس من أيار 2024، بينما كنت على وشك الخروج، سمعت أصواتًا خارج المنزل. خرجت لأجد الناس متجمعين، ووالدي واقف بينهم. سألته: «ما الأمر؟» فأجابني: «هناك عملية غزو برية في رفح».
كيف سيدخلون مدينة يقطنها أكثر من مليون نازح؟ إلى أين يمكننا الذهاب؟ وما الخيار المتاح لنا؟ لم يكن أحد يعرف. بعد ساعة، بدأت السماء تمطر أوامر إخلاء، مصحوبة بتساقط القذائف في كل مكان. بدأ جيراننا بالنزوح من المنطقة، ونحن لا نعرف إلى أين سنتجه. قال لنا والدي أن نأخذ ما نستطيع حمله فقط، لأن العملية محدودة ولن تستمر سوى فترة قصيرة، لذلك لم نأخذ سوى بعض الملابس. اتصلت بصديق لي معه سيارة صغيرة لمساعدتنا على نقل ما استطعنا. كنت مشوشًا، والقذائف تتساقط في كل مكان. غمرني الشعور بالعجز ولم أستطع التركيز. أخذنا بعض الأشياء وغادرنا بالسيارة، تاركين خلفنا منزلًا كاملًا بكل ذكرياته.
في لحظة صمت داخل السيارة، وسط فوضى إخلائنا من المنزل، سألتني والدتي: «حسن، نسيت لابتوبك؟» صمتُّ. نعم، لقد نسيته فعلًا. لم أستطع الإجابة. تركت خلفي حاسوبي الدراسي، الذي أحضره لي والدي بمناسبة تفوقي، وكتبي، وكل ما أحتاجه للدراسة. شعرت أنني تركت قطعة من روحي ورائي. كنت أرغب في العودة، لكن والدي قال: «إنها عملية محدودة… سنعود قريبًا». لم أكن أتخيل حينها أن هذا سيكون آخر يوم أرى فيه منزلي.
وصلنا إلى ما يُسمّى بـ«المنطقة الإنسانية» في المواصي. لكنها لم تكن إنسانية أبدًا. كانت أرضًا بلا حياة؛ مجرد رمال وبحر. في ذلك المساء، عند السادسة، كنا نجهّز الخيمة التي اشتريناها في ذلك اليوم. كان الجميع صامتًا، يعملون بلا كلمات. ابتسمت أمي ابتسامة حزينة وقالت: «حسن، ألم تحلم بالعيش بجانب البحر؟ حسنًا، لقد تحقق حلمك». نظرت إلى الخارج، غير متأكد إن كنت سأضحك أم أبكي. شعور غريب تملكني لحظتها، بين الصدمة والحزن، وكأن قلبي لا يعرف كيف يجب أن يحسّ.
سمعت من أحد أصدقائي عن انطلاق إحدى مبادرات دعم طلبة غزة من الضفة الغربية، بمشاركة جامعات النجاح وبيرزيت وغيرها. كان هذا الخبر بمثابة تحدٍ بالنسبة لي؛ كيف يمكنني في ظل هذه الظروف أن أواصل دراستي عبر الإنترنت؟ بدأت أذهب إلى خيمة جاري في المخيم كلما احتجت إلى الاتصال بالإنترنت، وشرعت في الدراسة معهم. لم يكن الاستمرار سهلًا أبدًا، لكن دعمهم المستمر جعل المستحيل ممكنًا. كانت تجربة مميزة، تعرفت خلالها على زملاء أكفاء من جامعات أخرى، وأيضًا على نخبة من الدكاترة، مثل الدكتورة دعد الأزعر، أستاذة في جامعة النجاح ساعدتني على وضع أسس قوية في الترجمة، والأستاذة كلير حامد، والتي لم أكن لأتمكن من إكمال دراستي عبر الإنترنت دون دعمها. كانت مرشدة لي وأمًا لنا جميعًا.
في منتصف كانون الثاني 2025، أعلنت الجامعة الإسلامية أنها ستستأنف الدروس أونلاين عبر منصتها الإلكترونية. لم يكن هذا خبرًا بسيطًا، فلم تكن هذه الحياة الجامعية التي أردت العودة إليها: متابعة تعليمي مع جامعتي وحدي، بلا أصدقائي الجامعيين الذين استشهد بعضهم. أن أعود للجامعة وسط صعوبة كبيرة في الوصول إلى شبكة إنترنت مستقرة، بلا كافتيريا الجامعة وبلا أي قاعات. لكن، لم يكن لدي خيار سوى أن أستمر. كان هذا الخيار مقاومة في حد ذاته. سجلت أخويّ الصغيرين، محمد وملاك في مدرسة قريبة تُدار بواسطة معلمين متطوعين يعيشون في خيام النزوح. واستأنفت دراستي مع جامعتي عبر الإنترنت.
أعيش اليوم في خيمة بلا خصوصية، بلا هدوء، وباتصال إنترنت ضعيف جدًا. الكهرباء منعدمة. أذهب مرّة أو مرتين في الأسبوع إلى أحد الكافيهات العامة في مواصي خانيونس، على بعد ساعة تقريبًا سيرًا على الأقدام من خيمتي، لأتمكن من تحميل المحاضرات وتسليم أعمالي. في الليل، كنت أدرس على ضوء هاتفي حتى تنفد بطاريته. لم يعد هناك الشاي الذي اعتدت الاستمتاع به، ولا السكر، ولا موقد الغاز. فقط الحطب. ومع ذلك، كان لا بد لي أن أواصل المضي قدمًا.
من ضمن المساقات التي درستها أيضًا مساق القصة القصيرة، حيث قرأنا قصة بعنوان «ورقة من غزة»، كتبها غسان كنفاني عام 1956. تحكي القصة عن رجل زار ابنة أخيه وأحضر لها هدية، وكانت الهدية حذاء، ليكتشف أن هذه الصغيرة مبتورة القدم. كانت القصة بمثابة انعكاس لكل يوم نعيشه في غزة، حيث نشهد مآسي مماثلة تعكس حجم المعاناة المستمرة التي عاشها شعبنا ولا يزال يعيشها.
مؤخرًا سنحت لي الفرصة أن أذهب لشمال غزة. أردت أن أرى الشقة التي كنت أعيش فيها، لكنها لم تعد موجودة. المبنى كله تحوّل إلى كومة من رماد. بعدها توجهت إلى حرم جامعتي، المكان الذي كان يومًا مرآةً لآمالي وطموحاتي، فإذا به قد صار مأوىً لعائلات نازحة. صوت المحاضرات الذي اعتدت سماعه حلّت مكانه صرخات الأطفال، وأصوات زملائي تحولت إلى أنين المشرّدين. مباني الجامعة التي كنت أعبرها يوميًا أصبحت شاهدة صامتة على دمار مستقبلنا. دخلت مبنى الكلية، فكان بابها متفحمًا تمامًا. أمّا المكتبة، فقد أُحرقت كتبها لتتحول إلى نار لطهي الطعام. وقاعة التخرج التي طالما حلمتُ بالاحتفال فيها كانت سوداء محترقة.
برغم كل ما حدث ويحدث، تمكنت من إيجاد وسيلة لإيصال صوتي. بدأت أكتب مقالات وأشاركها بالإنجليزية مع منصات مختلفة، مثل مونديوايز، palestine chronicle، ونيولاينز ماغازين، ونشرت قصصًا في أماكن مختلفة.
أستلهم من الدكتور حسام زملط، ممثل فلسطين في المملكة المتحدة، إعجابي بوضوحه، وموقفه الصلب، والتزامه الثابت بالدفاع عن حقوق شعبنا. كما أطمح أن أكون صحفيًا أنقل الواقع كما هو من دون تحريف أو تزييف. أستمد عزيمتي من صحفيين مثل الشهيد أنس الشريف وهند الخضري، اللذيْن خاطرا بحياتهما ليقدما للعالم الحقيقة الصافية من أرضهما.
أعلم أن واقعي الحالي هو العيش في خيمة؛ بلا بيت، بلا حياة جامعية كما اعتدت، بلا مقومات أساسية، وبلا كوب شاي. لكنني أرفض أن تُملي عليّ الحرب مستقبلي. فالتعليم ليس مجرّد سعي شخصي، بل صمود. هو إعلان أننا لن نُمحى، ولن نصمت. سنستمر في الحلم. وسنستمر في الكتابة. وسنواصل العمل من أجل مستقبل أفضل كما نطمح له.
رغم الإبادة التي نُعانيها، ورغم أهوال الجوع، ورغم كل ما يعترض طريقي، اخترتُ التعليم. اخترت أن أواصل المسير. و«سأصير يومًا ما أريد».
عن حبر

