Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

شركات المحروقات “تخرق” القانون

تجدد الجدل في المغرب حول مدى احترام شركات توزيع المحروقات للمقتضيات القانونية المنظمة للقطاع، خاصة تلك المرتبطة بالمخزون الاحتياطي الإجباري، في ظل ارتفاع الأسعار العالمية والتوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها المخاطر المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز. وتتصاعد أصوات فاعلين اقتصاديين وبرلمانيين ومنتقدين للسوق، متهمين الشركات بخرق القانون واستغلال الظرفية لتحقيق أرباح إضافية على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.

وينص القانون رقم 71-09 على إلزامية توفر الشركات الموزعة في القطاعات الاستراتيجية، ومنها المحروقات، على مخزون احتياطي يغطي 60 يوماً من الاستهلاك. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان استمرارية التزويد في حالات الأزمات والتقلبات الدولية، وحماية السوق الوطنية من الاضطرابات المفاجئة في الأسعار أو الإمدادات. غير أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن بعض الشركات لا تحترم هذا الالتزام، حيث لا يتجاوز مخزونها في بعض الحالات 30 يوماً، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى الامتثال للقانون.

ويؤكد منتقدو الوضع أن هذا الخرق المحتمل يتجلى بشكل واضح خلال الأزمات، إذ يتم تسجيل زيادات سريعة في أسعار المحروقات بمجرد ارتفاع الأسعار في الأسواق الدولية، رغم أن المخزون المفترض قانوناً يجب أن يكون قد تم اقتناؤه بأسعار سابقة أقل. ووفق هذا المنطق، فإن أي زيادة في الأسعار قبل نفاد مخزون 60 يوماً تُعد مخالفة صريحة لمقتضيات القانون، لأنها تعني إما بيع مخزون قديم بأسعار جديدة مرتفعة، أو عدم توفر المخزون القانوني من الأصل.

وتعزز هذه الشكوك وقائع ميدانية، من بينها ما حدث مؤخراً عندما تسببت اضطرابات البحر في عرقلة رسو ناقلات النفط بالموانئ المغربية، ما أدى إلى انقطاع التزويد في عدد من محطات الوقود. هذا الوضع كشف، بحسب متابعين، هشاشة المخزون الاحتياطي لدى بعض الشركات، وأعاد إلى الواجهة مسألة ضعف المراقبة وغياب المحاسبة الفعلية.

وفي هذا السياق، سبق لـ مجلس المنافسة أن نبه في تقاريره إلى إشكالية المخزون المحدود، إضافة إلى تسجيله لاختلالات في تفاعل الأسعار الوطنية مع نظيرتها الدولية. حيث أكد أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس بشكل شبه فوري على السوق المغربية، في حين يتأخر انخفاضها أو يكون محدود الأثر، ما يطرح إشكالية ما يُعرف بازدواجية المعايير في تسعير المحروقات.

وتزداد حدة الانتقادات مع الحديث عن أرباح إضافية حققتها شركات المحروقات خلال فترات انخفاض الأسعار العالمية، حيث أشار مجلس المنافسة إلى أن هذه الشركات استفادت من تراجع الأسعار لرفع هوامش الربح، محققة مكاسب مالية مهمة في فترة وجيزة. وهو ما يعزز فرضية أن السوق لا يعمل وفق آليات تنافسية شفافة، بل يخضع لمنطق يوازن بين تعظيم الأرباح وتقليص انعكاس التراجعات الدولية على المستهلك.

في ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات إلى تدخل حكومي حازم لتفعيل القوانين المنظمة للقطاع وضمان احترامها من طرف جميع الفاعلين. ويستند هذا المطلب إلى مقتضيات القانون رقم 255-72-1، الذي ينص على فرض غرامات مالية على الشركات التي لا تحترم مستوى المخزون الاحتياطي، تصل إلى 5 دراهم عن كل متر مكعب من الكمية الناقصة، مضروبة في عدد أيام العجز، ابتداءً من تاريخ المعاينة من طرف السلطات المختصة.

وتقع مسؤولية المراقبة والتتبع على عاتق وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، التي يُفترض أن تقوم بعمليات تدقيق دورية لتحديد حجم المخزون الفعلي لدى الشركات، واتخاذ الإجراءات الزجرية اللازمة في حال تسجيل أي خروقات. غير أن منتقدين يعتبرون أن دور الرقابة لا يزال دون المستوى المطلوب، وأن التقارير الرسمية لا تنعكس دائماً في شكل إجراءات عملية على أرض الواقع.

وفي هذا الإطار، وجه النائب البرلماني محمد والزين سؤالاً كتابياً إلى وزيرة الانتقال الطاقي، انتقد فيه ما وصفه بازدواجية المعايير في تعامل شركات المحروقات مع الأسعار. وأوضح أن هذه الشركات تسارع إلى رفع الأسعار عند أي ارتفاع دولي، كما حدث خلال التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، لكنها تتباطأ بشكل ملحوظ في خفضها عند تراجع الأسعار في الأسواق العالمية.

واعتبر البرلماني أن هذا السلوك يكرس مفارقة قانونية وتدبيرية، حيث يتم تحميل المستهلك كلفة “المستقبل” عند ارتفاع الأسعار، في حين يُحرم من الاستفادة من “الماضي” عندما تكون الأسعار منخفضة. وأضاف أن غياب أثر المخزون الاحتياطي في كبح جماح الأسعار خلال الأزمات يطرح علامات استفهام حول وجوده الفعلي، ومدى احترام الشركات لالتزاماتها القانونية.

كما أعاد النقاش حول إغلاق شركة لاسامير إلى الواجهة، باعتبارها حلقة أساسية مفقودة في منظومة الأمن الطاقي الوطني. ويرى متابعون أن استمرار توقف هذه المصفاة يضعف قدرة المغرب على تخزين وتكرير المحروقات، ويزيد من تبعية السوق الوطنية للاستيراد، ما يفاقم من هشاشتها أمام التقلبات الدولية.

وفي ظل استمرار هذا الوضع، تتعالى الأصوات المطالبة بإرساء شفافية أكبر في تحديد الأسعار، ونشر معطيات دقيقة حول المخزون الاحتياطي، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يدعو فاعلون إلى إعادة النظر في بنية سوق المحروقات، بما يضمن تحقيق توازن حقيقي بين حرية السوق وحماية المستهلك.

ويؤكد متتبعون أن معالجة هذه الاختلالات لم تعد خياراً، بل ضرورة ملحة لضمان الأمن الطاقي الوطني، وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، واستعادة الثقة في سوق يعتبر من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً على الحياة اليومية. وفي انتظار خطوات ملموسة من الجهات المعنية، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة الدولة على فرض احترام القانون، ووضع حد لما يعتبره كثيرون خرقاً مستمراً لقواعد المنافسة والشفافية في سوق المحروقات.

Exit mobile version