Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

طعون الأحزاب ترفع الداخلية

طعون الأحزاب ترفع الداخلية

دخل المشهد السياسي المغربي مرحلة جديدة عنوانها الطعون الانتخابية، في وقت أعادت فيه قضية أوراق التصويت بطنجة طرح أسئلة قوية حول سلامة العملية الانتخابية وحدود المسؤولية السياسية والقانونية المترتبة عن الخروقات التي قد تكون رافقت الاقتراع في عدد من الدوائر.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عددا من وكلاء اللوائح والأحزاب يستعدون لخوض معركة قانونية أمام الجهات المختصة، اعتمادا على محاضر مكاتب التصويت وما جرى توثيقه من وقائع خلال يوم الاقتراع. وتبرز دائرة طنجة-أصيلة بشكل خاص في هذا السياق، بعدما أعلنت أطراف سياسية عزمها الطعن في نتائج عدد من اللوائح الفائزة، على خلفية ما تعتبره خروقات مست العملية الانتخابية.

وتكتسي الطعون أهمية خاصة باعتبارها الآلية القانونية التي تسمح بإعادة فحص النتائج في الحالات التي يدعي فيها أحد المتنافسين وجود مخالفات يمكن أن تكون قد أثرت في سلامة الاقتراع أو في النتيجة النهائية. لذلك، فإن مرحلة ما بعد إعلان النتائج لا تعني بالضرورة إغلاق الملف الانتخابي، بل قد تشكل بداية لمسار قضائي يمكن أن يعيد النظر في نتائج بعض الدوائر، وفق ما ستقرره الجهات القضائية المختصة بناء على الأدلة والوثائق المقدمة إليها.

وتتجه الأنظار إلى المحاضر الرسمية لمكاتب التصويت، باعتبارها من أهم الوثائق التي يستند إليها المتنافسون في بناء الطعون. وفي عدد من الدوائر، تحدثت مصادر حزبية عن صعوبات مرتبطة بالحصول على المحاضر أو عن عدم تسليمها لبعض المرشحين، إلى جانب الحديث عن أوراق ملغاة وأصوات متنازع بشأنها، وهي وقائع من شأنها أن تتحول إلى عناصر أساسية في الملفات التي قد تعرض على القضاء.

ولا تقتصر دائرة الطعون على طنجة-أصيلة، إذ ترد معطيات عن نية أحزاب ومرشحين الطعن في نتائج دوائر أخرى، من بينها العرائش وتطوان وشفشاون وفحص-أنجرة، فضلا عن دوائر أخرى عبر مختلف جهات المملكة. ويبدو أن الأحزاب التي فقدت مقاعد بفوارق محدودة من الأصوات تجد في المسار القضائي فرصة لإعادة فحص ظروف الاقتراع، خصوصا عندما تكون لديها محاضر أو معطيات ترى أنها تدعم ادعاءاتها.

وفي هذا السياق، جاء موقف حزب الاستقلال ليضيف بعدا سياسيا إلى مرحلة ما بعد الانتخابات، بعدما عبر الحزب عن ارتياحه للنتائج التي حققها، لكنه سجل في الوقت نفسه ما وصفه بخروقات في عدد من الدوائر، متحدثا عن التأثير على الناخبين واستعمال المال والضغط ومحاولات التلاعب بأوراق التصويت وعدم تسليم محاضر النتائج. وأعلن الحزب عن دعوة مجلسه الوطني للانعقاد لتقييم النتائج والتداول في مسألة المشاركة في الحكومة المقبلة.

وبذلك، يبدو أن المشهد الانتخابي انتقل من مرحلة التنافس على الأصوات والمقاعد إلى مرحلة جديدة تتعلق بالتنافس حول صحة النتائج نفسها، وهي مرحلة سيكون للقضاء فيها الدور الحاسم، بعيدا عن الأحكام السياسية المسبقة أو القراءات الحزبية للنتائج.

و اذا كانت الطعون الانتخابية تشكل مسارا قانونيا طبيعيا بعد كل استحقاق انتخابي، فإن قضية عمدة طنجة منير ليموري منحت هذا المسار بعدا أكثر حساسية، بعدما قرر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة إخضاعه للحراسة النظرية في إطار التحقيقات المرتبطة بقضية أوراق انتخابية محجوزة، وفق المعطيات التي أوردتها مصادر إعلامية.

وتأتي هذه التطورات في وقت كانت فيه دائرة طنجة-أصيلة قد تحولت إلى إحدى أبرز بؤر الجدل الانتخابي، بسبب قضية الحقيبة التي ضبطت وبداخلها أوراق انتخابية مرتبطة بأحد مكاتب التصويت. ووفق ما أعلنته النيابة العامة في وقت سابق، أسفرت الأبحاث الأولية عن توقيف عدد من المشتبه فيهم، من بينهم رؤساء مكاتب ونوابهم، مع الاشتباه في أفعال مرتبطة باختلاس أوراق التصويت وإخراجها من المؤسسة التي يوجد بها مكتب الاقتراع قبل إعادتها لاحقا.

كما أفادت المعطيات نفسها بأن الحبر الموجود على الأوراق المحجوزة يختلف عن الحبر المستعمل داخل مكاتب التصويت، وهي عناصر دفعت النيابة العامة إلى مواصلة الأبحاث وطلب إجراء تحقيق بشأن أفعال مرتبطة بانتهاك عمليات الاقتراع والتزوير والمشاركة فيه.

ويكتسي إدخال عمدة طنجة في مسار التحقيق أهمية سياسية وقانونية بالنظر إلى موقعه كرئيس للمجلس الجماعي للمدينة ومسؤول حزبي محلي، غير أن مجرد إخضاعه للحراسة النظرية لا يعني ثبوت المسؤولية أو الإدانة، إذ تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء بعد استكمال التحقيقات وتحديد الوقائع والمسؤوليات بشكل قانوني.

لكن من الناحية السياسية، لا يمكن فصل هذه القضية عن المناخ الذي أعقب انتخابات 23 شتنبر، خصوصا في دائرة تعرف أصلا استعداد عدد من المتنافسين للطعن في نتائجها. فكل تطور في هذا الملف من شأنه أن يزيد من حدة النقاش حول ظروف إجراء الاقتراع، ويجعل نتائج الدائرة تحت تدقيق سياسي وإعلامي وقضائي أكبر.

وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى أن الانتخابات لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما أيضا بدرجة الثقة في المسار الذي أنتج تلك النتائج. وأي شبهات مرتبطة بأوراق التصويت أو محاضر مكاتب الاقتراع أو التأثير على الناخبين تفرض، من الناحية المؤسساتية، تحقيقا دقيقا وشفافا يحدد الوقائع ويترك للقضاء مهمة ترتيب الآثار القانونية عليها.

ومع انتقال عدد من الأحزاب إلى مرحلة جمع الوثائق وإعداد الطعون، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الطعون ستظل في حدود الاعتراضات الانتخابية المعتادة، أم ستتحول في بعض الدوائر إلى ملفات يمكن أن تؤثر في النتائج المعلنة.

وتبقى طنجة في قلب هذا المسار، ليس فقط بسبب عدد الطعون المحتملة، ولكن أيضا بسبب القضية التي طالت أوراق التصويت والتحقيقات التي توسعت لتشمل عددا من المشتبه فيهم، وصولا إلى عمدة المدينة. وبينما تنتظر الساحة السياسية ما ستسفر عنه المساطر القضائية، تظل نتائج انتخابات 23 شتنبر مفتوحة على مرحلة جديدة، عنوانها الطعن والتدقيق وإعادة اختبار سلامة الاقتراع، في انتظار ما ستقوله المؤسسات القضائية في الملفات الموضوعة أمامها.

Exit mobile version