من رئاسة جماعة الحسيمة إلى القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وصولا إلى الحكومة الجديدة، بنت فاطمة السعدي مسارا سياسيا ارتبط بالعمل المحلي والتنظيم الحزبي. ومع تعيينها وزيرة منتدبة مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، تجد نفسها أمام مسؤولية تتجاوز تدبير المجال الحضري، لتلامس واحدا من أكثر الملفات ارتباطا بالحياة اليومية للمغاربة: السكن، والولوج إلى المدينة، والتفاوتات بين المجالات الحضرية.
ويمنحها مسارها في الحسيمة تجربة مباشرة في تدبير الشأن المحلي، كما وضعها عملها داخل هياكل الحزب في موقع متقدم ضمن التنظيم السياسي. لكن الانتقال إلى الحكومة يغيّر طبيعة المسؤولية وحجم الملفات، إذ تصبح السياسات الوطنية والإجراءات التشريعية والبرامج الاجتماعية في صلب المهام المنتظرة منها.
الحسيمة.. نقطة الانطلاق
ترتبط فاطمة السعدي سياسيا بإقليم الحسيمة، حيث راكمت تجربتها في العمل الجماعي والبرلماني. وقد تولت رئاسة المجلس الجماعي للحسيمة بين سنتي 2015 و2021، وهي فترة تزامنت مع احتجاجات حراك الريف وما رافقها من نقاش واسع حول التنمية والعدالة المجالية والاستجابة لانتظارات السكان.
كما انتُخبت نائبة برلمانية عن الإقليم خلال الولاية التشريعية الممتدة من 2016 إلى 2021، ما أتاح لها الجمع بين تدبير الشأن المحلي والمشاركة في المؤسسة التشريعية.
وكانت الحسيمة خلال تلك المرحلة في قلب النقاش بشأن تعثر بعض المشاريع التنموية، ولا سيما برنامج «الحسيمة منارة المتوسط»، الذي أثار تأخر إنجازه انتقادات سياسية ومؤسساتية، وانتهى إلى إعفاء عدد من المسؤولين الحكوميين سنة 2017.
ولا يعني تزامن رئاستها للمجلس الجماعي مع تلك المرحلة تحميلها مسؤولية جميع الاختلالات المرتبطة بالبرنامج؛ فالمشاريع الكبرى تتوزع مسؤولياتها بين قطاعات ومؤسسات متعددة. غير أن تلك الفترة جعلت تدبير الشأن المحلي في الحسيمة مرتبطا بصورة وثيقة بأسئلة التنمية ونجاعة السياسات العمومية ومدى استجابتها لانتظارات المواطنين.
من العمل المحلي إلى القيادة الحزبية
تدرجت السعدي في المسؤوليات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، حيث شغلت عضوية المكتب السياسي خلال ولايتين، كما تولت منصب نائبة الأمين العام للحزب بين 2020 و2024، في عهد عبد اللطيف وهبي.
وفي أكتوبر 2024، انتُخبت عضوا في القيادة الجماعية للحزب، خلفا لصلاح الدين أبو الغالي، ضمن مرحلة تنظيمية شهدت نقاشات داخلية بشأن قيادة الحزب وتدبير خلافاته.
وقد منحها هذا الموقع حضورا في دائرة القرار الحزبي، إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد. وأصبح موقعها داخل القيادة الجماعية جزءا من مسارها السياسي، الذي انتقل من مسؤوليات محلية وبرلمانية إلى المشاركة في إدارة حزب يتولى اليوم رئاسة الحكومة.
غير أن التدرج التنظيمي لا يختزل في المناصب وحدها؛ إذ تظل طبيعة الدور الذي تؤديه القيادات الحزبية مرتبطة بقدرتها على إدارة الاختلافات الداخلية، وتنسيق المواقف، والحفاظ على التواصل مع القواعد والمنتخبين.
حقيبة الإسكان.. مسؤولية تتجاوز بناء المساكن
في 16 أكتوبر 2026، عُيّنت فاطمة السعدي وزيرة منتدبة لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، مكلفة بالإسكان وسياسة المدينة، ضمن الحكومة التي ترأسها فاطمة الزهراء المنصوري.
وتضعها هذه المهمة أمام ملفات متشابكة، من بينها تسهيل الولوج إلى السكن، ومواكبة برامج الدعم السكني، ومحاربة السكن غير اللائق، وتحسين ظروف العيش في الأحياء، وتطوير سياسات حضرية تراعي التفاوتات الاجتماعية والمجالية.
كما يتطلب القطاع التنسيق بين الدولة والجماعات الترابية والفاعلين العقاريين والمؤسسات المالية، فضلا عن متابعة أثر البرامج السكنية على الأسر، ومدى قدرتها على الاستفادة منها في ظل تفاوت القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف العقار في عدد من المدن.
ولا يتوقف مفهوم سياسة المدينة عند تشييد الوحدات السكنية؛ فهو يشمل أيضا جودة الفضاءات العامة، وتوفر المرافق الأساسية، والربط بالنقل والخدمات، وتحسين ظروف العيش داخل الأحياء. ومن ثم، فإن نجاح السياسات في هذا المجال يرتبط بقدرتها على الجمع بين السكن والبنية التحتية والاندماج الاجتماعي.
من تجربة الجماعة إلى السياسة الوطنية
تمنح تجربة السعدي السابقة في رئاسة جماعة الحسيمة خلفية عملية للتعامل مع بعض قضايا المجال الحضري، لكنها لا تمثل وحدها ضمانة لنجاحها في المسؤولية الجديدة. فالتدبير المحلي يشتغل ضمن حدود جغرافية ومالية واختصاصات محددة، بينما تتطلب السياسة الوطنية وضع البرامج والأطر العامة ومتابعة تنفيذها في مختلف مناطق البلاد.
ويبرز أمامها تحدي تحقيق التوازن بين توسيع العرض السكني ومراعاة القدرة الشرائية، وبين تشجيع الاستثمار العقاري وضمان استفادة الفئات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى السكن. كما ستواجه أسئلة تتعلق بتقييم البرامج القائمة، وشفافية شروط الاستفادة منها، ومدى انعكاسها على الفئات المستهدفة.
وتزداد أهمية هذه الملفات في ظل التفاوت بين المدن الكبرى والمراكز الصغرى، وبين الأحياء التي تتوفر على التجهيزات الأساسية وتلك التي لا تزال تحتاج إلى تحسين الخدمات والمرافق. وهي تحديات تجعل سياسة المدينة جزءا من النقاش الأوسع حول التنمية والعدالة المجالية.
بين الرصيد السياسي والحصيلة المنتظرة
تقدم فاطمة السعدي صورة لمسار انتقل من تدبير الشأن المحلي في الحسيمة إلى العمل البرلماني، ثم إلى مسؤولية متقدمة داخل حزب الأصالة والمعاصرة، قبل دخول الحكومة. وتجمع تجربتها بين معرفة ميدانية ببعض قضايا المدن وخبرة في العمل التنظيمي والسياسي.
لكن المرحلة الحكومية الجديدة تضعها أمام معيار مختلف للتقييم، يتعلق بما ستقدمه من حلول في مجال الإسكان وسياسة المدينة، وبقدرة البرامج على الوصول إلى الفئات المستهدفة وتحسين ظروف العيش، لا بمجرد إطلاق المبادرات أو الإعلان عن الأهداف.
وبين الحسيمة التي شكلت نقطة انطلاق تجربتها السياسية، والملفات الوطنية التي تتولاها اليوم، تبدأ السعدي مرحلة جديدة من مسارها. أما حصيلة هذه المرحلة، فستتحدد بمدى قدرتها على تحويل المسؤولية الحكومية إلى إجراءات واضحة ونتائج قابلة للقياس، في قطاع يمس الاستقرار الاجتماعي وجودة الحياة اليومية للمواطنين








