تعيش مناطق واسعة من شمال وغرب المغرب، وعلى رأسها مدينة القصر الكبير والقرى الممتدة على ضفتي وادي اللوكوس ومجاري سبو والردم وورغة، حالة من الترقب والقلق المتصاعد، بسبب الارتفاع الكبير في منسوب المياه وما يرافقه من مخاوف حقيقية من فيضانات قد تكون ذات آثار جسيمة على السكان والبنيات التحتية.
هذا الوضع الاستثنائي فرض على السلطات المحلية الشروع في تنفيذ إجراءات وقائية عاجلة، شملت إقامة حواجز مؤقتة، وتعزيز حضور فرق الإنقاذ، والبدء في إجلاء سكان المناطق المنخفضة والمعرضة للخطر، في ظل مؤشرات تؤكد أن القدرة الاستيعابية للبنية التحتية المحلية أصبحت تحت ضغط غير مسبوق.
وفي القصر الكبير، انتقل المشهد من مجرد ارتداد طبيعي لمياه وادي اللوكوس بفعل تداخل عوامل المد البحري وارتفاع الصبيب، إلى وضعية توصف بالحرجة، حيث سُجلت اضطرابات في حركة السير على الطرق الرئيسية، وارتفعت المخاوف من تأثيرات محتملة على الأحياء الهشة والمناطق ذات الكثافة السكانية، مع امتداد القلق إلى جماعات مجاورة قد تتأثر بدورها في حال بلوغ ذروة الفيضانات.
وتزامن هذا الوضع الميداني مع معطيات رسمية تؤكد أن الموسم الهيدرولوجي الحالي يُعد من بين أكثر المواسم مطرية خلال السنوات الأخيرة، حيث سُجل فائض ملحوظ في التساقطات مقارنة بالمعدل السنوي، ما انعكس بشكل مباشر على منسوب الأنهار ومخزون السدود، وخصوصاً سد وادي المخازن الذي أصبح في صلب الاهتمام العام بالنظر إلى موقعه وتأثيره المباشر على المناطق السكنية الواقعة أسفله.
وأظهرت الأرقام المتداولة أن هذا السد استقبل خلال أشهر قليلة كميات مائية استثنائية، جزء كبير منها تدفق في فترة زمنية قصيرة، ما أدى إلى تجاوز سعته الاعتيادية وبلوغ نسب ملء غير مسبوقة، الأمر الذي فرض اللجوء إلى عمليات تفريغ وقائي لتخفيف الضغط الهيدروليكي وضمان سلامة المنشأة.
ورغم تأكيد الجهات المعنية أن هذه العمليات تندرج في إطار إجراءات احترازية مضبوطة، إلا أن حجم الأرقام المتداولة، وتسارع وتيرة الواردات المائية، أثارا تساؤلات واسعة لدى السكان والمراقبين، خاصة مع الحديث عن توقعات بمزيد من التساقطات خلال الأيام المقبلة، واحتمال ارتفاع صبيب التصريف إلى مستويات تفوق المعدلات المعتادة بعدة مرات.
وفي خضم هذه التطورات، برز نقاش عمومي حول ضعف التواصل الحكومي في لحظة تُصنف كأزمة محتملة، حيث عبّر عدد من المواطنين والفاعلين عن استيائهم من غياب إطلالات إعلامية سياسية تشرح بوضوح طبيعة الوضع، وسيناريوهاته المحتملة، وخطط التدخل، مكتفية في نظرهم بتقارير تقنية جافة لا تصل إلى عموم الرأي العام ولا تجيب عن مخاوفه المباشرة.
وتعزز هذا الإحساس مع الجدل الذي صاحب تعاطي المؤسسة التشريعية مع الموضوع، بعد أن أُثيرت مطالب بمناقشة مستعجلة لتداعيات الفيضانات، في وقت يرى فيه متابعون أن حجم المخاطر يفرض نقاشاً سياسياً علنياً يواكب العمل التقني والميداني، ويمنح المواطنين شعوراً أكبر بالاطمئنان والمشاركة في المعلومة.
في المقابل، تؤكد المعطيات الرسمية أن المصالح المختصة تشتغل في إطار تنسيق مستمر مع السلطات المحلية، وتعتمد أنظمة مراقبة دقيقة للسدود والمنشآت المائية، مع تكثيف عمليات القياس، وإجراء محاكاة هيدرولوجية متقدمة لتوقع تطور الوضع وتحديد المناطق المهددة، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت الملائم.
غير أن هذا الجهد التقني، على أهميته، يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في ضعف تحويل المعلومة العلمية إلى خطاب تواصلي مفهوم، خاصة في سياق يتسم بارتفاع منسوب القلق الشعبي، وتنامي الإحساس بالهشاشة أمام تقلبات مناخية باتت أكثر حدة وتكراراً.
كما أعادت هذه الفيضانات المحتملة إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول جاهزية البنية التحتية الوطنية، وقدرة السياسات المائية الحالية على مواكبة التحولات المناخية، خصوصاً في مناطق تعرف توسعاً عمرانياً سريعاً وضغطاً ديمغرافياً متزايداً، ما يجعلها أكثر عرضة لمخاطر الفيضانات.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن ما تشهده مناطق الشمال والغرب ليس مجرد حادث موسمي عابر، بل مؤشر على تحولات بنيوية تفرض مراجعة شاملة لطرق تدبير الموارد المائية ومخاطرها، بما يتجاوز منطق التدخل الظرفي إلى بناء استراتيجيات استباقية أكثر شمولاً.
ويبقى التحدي الأبرز، في نظر كثيرين، هو استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسة، عبر تواصل شفاف، منتظم، وقادر على مرافقة القرارات التقنية بشرح سياسي واضح، يضع سلامة السكان في صلب الاهتمام، ويحول الأرقام والمعطيات إلى طمأنة فعلية في زمن الأزمات المناخية المتسارعة.

