حسن حمورو
يتيح النظر من زوايا مختلفة إلى الحملة الانتخابية لاقتراع 23 شتنبر 2026، التي يتنافس فيها 27 حزبا على 395 مقعدا بمجلس النواب، إلى استنتاج معطيات لا تحظى بالقسط الوفير في تفسير الصراع الانتخابي بين الأحزاب، وبين أعضاء كل حزب على حدة، حيث تطغى على النقاش الانتخابي التزامات ووعود البرامج والتحالفات والحصيلة، غير أن جزءا مهما من المشهد لا يمكن فهمه فقط بمنطق الأرقام والبرامج، بل يحتاج إلى الاقتراب من البُعد النفسي الذي يحرك الفاعلين السياسيين أنفسهم.
في هذا السياق، تبدو أطروحة الكاتب آلان دوبوتون في كتابه “قلق السعي إلى المكانة” أداة تفسيرية مفيدة لفهم جانب من السلوك الانتخابي المغربي خلال استحقاقات 2026.
يذهب الان دوبوتون في كتابه، إلى أن البشر لا يسعون فقط إلى السلطة أو المال، بل يسعون قبل ذلك إلى الاعتراف والتقدير والمكانة الاجتماعية، وعندما يشعر الفرد بأن مكانته مهددة أو أقل مما يستحق، يتحول هذا الشعور إلى مصدر للقلق والتوتر والصراع.
والحقيقة أن ما يجري داخل عدد من الأحزاب السياسية خلال هذه الانتخابات وغيرها، لا يبتعد كثيرا عن هذا التفسير، فقبل أن تبدأ المنافسة بين الأحزاب، تكون معركة المكانة قد اندلعت داخل الحزب الواحد، من خلال من يقود اللائحة؟ من يحتل المرتبة الأولى؟ من يحظى بدعم القيادة؟ ومن يظهر أكثر في المنصات الإعلامية والتجمعات الانتخابية؟
في الظاهر يتعلق الأمر بخيارات تنظيمية، أو حسابات الحصول على المقعد، لكن في العمق يتعلق الأمر أيضا بالاعتراف الرمزي، لأن المترشح الذي قضى سنوات داخل الحزب ثم يجد نفسه خارج دائرة التزكية، لا يشعر فقط بأنه خسر فرصة انتخابية، بل يشعر أحيانا بأن مكانته داخل التنظيم تعرضت للاهتزاز، ولهذا نرى أن بعض الخلافات الحزبية تصبح أكثر حدة من الخلافات بين الأحزاب المتنافسة نفسها، خاصة في الأحزاب الأيديولوجية.
وتزداد هذه الظاهرة وضوحا في انتخابات 2026، بالنظر إلى التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي، حيث انه بعد سنوات من إعادة تشكيل موازين القوى، وصعود فاعلين وتراجع آخرين، لم تعد المعركة تدور فقط حول الفوز بمقعد برلماني، بل حول إثبات الحضور السياسي واستعادة الاعتبار أو تثبيته، ولذلك تتحول بعض الحملات إلى معارك رمزية حول من يمثل المستقبل ومن يمثل الماضي، ومن يملك الشرعية السياسية ومن فقدها.
كما أن شبكات التواصل الاجتماعي أضافت بعدا جديدا لهذا القلق، ذلك أن الحملة الانتخابية لم تعد تقتصر على التجمعات والخطابات التقليدية، بل أصبحت ساحة يومية للمقارنة والقياس، والبحث عن الاعتراف الفوري، عبر الصور والمشاهدات والتفاعلات، وهنا يصبح المرشح أسيرا لمؤشرات الحضور والانتشار الرقمي، أكثر من انشغاله بإقناع الناخبين.
ومن الملاحظات اللافتة، أن بعض أكثر الصراعات حدة لا تنشأ بسبب اختلاف البرامج، بل بسبب تقارب الطموحات، فكلما اقترب المتنافسون من بعضهم في الموقع الحزبي أو الاجتماعي، ازدادت حساسية المقارنة بينهم، وهذا ما يفسر أحيانا حدة المنافسة داخل الحزب الواحد، أو داخل التحالفات المحلية، أكثر من المنافسة مع الخصوم الخارجيين.
لكن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب المغربية اليوم لا يتمثل في القضاء على الطموح السياسي، فذلك أمر غير ممكن وغير مطلوب، بل في تحويله من صراع حول المكانة، إلى تنافس حول الكفاءة والقدرة على خدمة الصالح العام، لأن الديمقراطية تحتاج إلى الطموح، لكنها تتضرر عندما يتحول السعي إلى خدمة المواطنين، إلى مجرد سعي وراء الاعتراف الشخصي.
ولعل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من السياق الذي تجري فيه انتخابات 2026، هي أن المواطن المغربي أصبح أقل اهتماما بمعارك الزعامات والمواقع، وأكثر اهتماما بقدرة الفاعلين السياسيين على تقديم أجوبة حقيقية عن قضايا الشغل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية، لذلك فإن الفائز الحقيقي لن يكون بالضرورة من نجح في تعزيز مكانته داخل حزبه أو داخل المشهد الإعلامي والانتخابي، بل من استطاع إقناع الناخبين بأن السياسة ما تزال أداة لخدمة المجتمع، لا مجرد منافسة على المكانة.
في النهاية، قد تفسر البرامج الانتخابية جانبا من نتائج الانتخابات، وقد تفسر الشبكات المحلية جانبا آخر، لكن فهم النفس البشرية يظل ضروريا لفهم ما يجري خلف الكواليس.
بكلمة، ما بين الشعارات المرفوعة والخطابات المعلنة، يظل “قلق المكانة” أحد أكثر المحركات الخفية حضورا في الحياة السياسية، ليس فقط في المغرب، بل في كل ديمقراطية تجعل من الاعتراف الشعبي أعلى درجات الشرعية.

