ما قدمه المنتخب المغربي أمام البرازيل يتجاوز كثيراً فكرة التعادل في مباراة افتتاحية بكأس العالم. لأن القيمة الحقيقية لم تكن في النتيجة وحدها، بل في الطريقة التي ظهر بها “أسود الأطلس” أمام واحد من أكثر المنتخبات هيبة في تاريخ كرة القدم. المغرب لعب بثقة منتخب كبير، وليس بعقلية فريق يبحث فقط عن النجاة أو تفادي الخسارة.
في السابق، كانت المنتخبات العربية والإفريقية تدخل مثل هذه المواجهات بحذر مبالغ فيه، وتعتبر التعادل إنجازاً استثنائياً. أما المنتخب المغربي الحالي، فقد بدا وكأنه مقتنع تماماً بأنه قادر على هزم البرازيل، وهذا أهم تحول حدث داخل شخصية الفريق خلال السنوات الأخيرة. لذلك لم يكن غريباً أن يشعر اللاعبون بشيء من الحسرة بعد صافرة النهاية، لأن الأداء الذي قدموه كان يوحي بأن الفوز لم يكن بعيداً.
المنتخب المغربي لم ينبهر بالأسماء ولا بتاريخ المنافس، بل ناقش البرازيل تكتيكياً وبدنياً وحتى ذهنياً. ففي فترات طويلة من المباراة، ظهر المغرب أكثر تنظيماً وانضباطاً، بينما نجح لاعبوه في التحكم بإيقاع اللعب والخروج بالكرة تحت الضغط بثقة كبيرة. وهذا النوع من المباريات يكشف حقيقة المنتخبات القادرة على المنافسة في المواعيد الكبرى.
ما يلفت الانتباه أيضاً هو أن هذا التطور لم يعد مرتبطاً فقط بالمهارات الفردية، بل بعقلية جماعية ناضجة. اللاعب المغربي اليوم يدخل المباراة وهو مقتنع أنه ينتمي إلى أعلى مستوى، وليس مجرد لاعب يسعى لاكتساب الخبرة أمام المنتخبات الكبرى. هذه النقلة الذهنية هي التي صنعت الفارق الحقيقي، وهي التي جعلت المغرب يتحول من منتخب يصنع المفاجآت إلى منتخب يُحسب له ألف حساب.
تصريحات محمد وهبي بعد اللقاء كانت بدورها تعكس هذا التحول. الرجل لم يتحدث بعقلية المدرب الذي حقق إنجازاً تاريخياً، بل بعقلية مدرب يرى أن فريقه كان قادراً على تحقيق أكثر من التعادل. وهذا الخطاب مهم جداً لأنه يرسخ ثقافة الطموح داخل المجموعة، ويؤكد أن سقف المنتخب المغربي ارتفع بشكل واضح بعد مونديال قطر.
الحقيقة التي فرضتها مباراة البرازيل هي أن المغرب أصبح ينتمي إلى دائرة مختلفة في كرة القدم العالمية. لم يعد منتخباً ينتظر الأخطاء أو يعتمد فقط على الروح القتالية، بل فريقاً يملك جودة تقنية، وشخصية قوية، وهوية لعب واضحة. والأهم أن هذا الجيل لم يعد يكتفي بإبهار العالم، بل بدأ يؤمن فعلاً بأنه قادر على منافسة الكبار بندية كاملة.

