– الدكتور عبد الحي السملالي*
من خدمة الناس إلى شراء اللحظة: حين يتقدّم العابر على الثابت
في تاريخ الفكر السياسي، لطالما شغلت علاقة الحشود بالسلطة موقعاً مركزياً في تحليل التحولات الكبرى. فالحشود، كما لاحظ مفكرو القرن التاسع عشر من غوستاف لوبون إلى موسكا وباريتو، لا تتحرك دائماً وفق منطق العقل، بل وفق دينامية الانفعال والحاجة. ولعلّ من أكثر المشاهد التاريخية تعبيراً عن هذا المنطق، تلك اللحظة التي انقلبت فيها الجماعة التي تبعت المسيح بإعجاب، لتطالب بإطلاق باراباس. لم يكن ذلك انقلاباً على رجل، بل على فكرة. ومن هنا خرجت تسميتنا لهذه الدينامية: متلازمة باراباس، كمدخل لقراءة سلوك الحشود حين تتأرجح بين الأصلح والأقرب إلى حاجتها الآنية.
هذه المتلازمة ليست استعارة دينية بقدر ما هي إطار تحليلي يساعد على فهم ما يجري في المشهد الانتخابي المغربي. فهنا أيضاً نجد رجالاً ونساء يشتغلون في صمت، يقدمون خدمات اجتماعية حقيقية، ينظمون قوافل طبية، يرافقون المرضى، ويقفون إلى جانب الناس في الأيام التي لا يلتفت فيها أحد إلى الهامش. هؤلاء يمارسون السياسة بمعناها الأصلي: خدمة الشأن العام خارج منطق المواسم.
ومع اقتراب الانتخابات، تتغير قواعد اللعبة. يدخل المال السياسي إلى الساحة، لا بوصفه أداة تنظيم، بل بوصفه وسيلة تأثير مباشر. يظهر “أصحاب الشكارة” محمّلين بقدرة على شراء اللحظة، لا على بناء الثقة. وهنا تبدأ المتلازمة في الاشتغال: الحشود التي تعرف من خدمها، تنجذب أحياناً إلى من يملك القدرة على مخاطبة حاجتها الآنية، حتى لو كان ذلك على حساب منطق الاستمرارية أو المصلحة العامة.
وتتعمق قراءة متلازمة باراباس حين نربطها بما يسميه علم الاجتماع السياسي بـ«منطق القطيع»، وهو ليس حكماً أخلاقياً بقدر ما هو توصيف لسلوك جماعي يتكرر عبر الأزمنة. فالحشود، حين تُستثار حاجتها أو يُضغط على هشاشتها، تميل إلى التحرك ككتلة واحدة، لا كأفراد ذوي إرادة مستقلة. وهنا تلتقي هذه الدينامية مع ما وصفه مصطفى حجازي في تحليله لـ سيكولوجية الإنسان المقهور: ذلك الفرد الذي يعيش تحت وطأة الحرمان، فيتولد لديه شعور بالعجز يجعله أكثر قابلية للانقياد، وأكثر استعداداً للبحث عن خلاص سريع، ولو كان وهماً. في هذا السياق، يصبح المال السياسي قادراً على إعادة تشكيل اتجاهات الجماعة، لأن الحاجة الآنية تطغى على الذاكرة، ولأن الإحساس بالهشاشة يجعل الفرد يذوب في الكتلة، ويتخلى – ولو مؤقتاً – عن استقلالية قراره. وهكذا تتغذى المتلازمة من تفاعل مزدوج: كتلة تبحث عن مخرج سريع، ومرشح يقدّم لها مخرجاً مصطنعاً، فتتكرر المفارقة التي تجعل الأصلح يتراجع، بينما يتقدم من يملك القدرة على مخاطبة الحاجة لا القناعة.
إن خطورة هذا السلوك لا تكمن فقط في إفساد العملية الانتخابية، بل في إضعاف فكرة المواطنة نفسها. فحين يتحول الصوت إلى سلعة، يفقد دوره كأداة مساءلة، ويتحول الاختيار من فعل سياسي إلى رد فعل ظرفي. وهكذا يُهزم من خدم الناس، ويتقدم من اشترى اللحظة، ويعاد إنتاج نفس المفارقة التي سجلها التاريخ قبل قرون.
إن قراءة المشهد الانتخابي من خلال متلازمة باراباس ليست حكماً على الناس، بل محاولة لفهم دينامية اجتماعية وسياسية تتكرر عبر الأزمنة. وهي دعوة إلى التفكير في كيفية تعزيز الوعي السياسي، وتقوية مؤسسات الوساطة، وإعادة الاعتبار لفكرة العمل العمومي باعتبارها ممارسة يومية لا موسمية.
فالأوطان، في النهاية، لا تُبنى بمن يملك القدرة على شراء اللحظة، بل بمن يملك القدرة على خدمة الزمن.
*باحث في علوم الرياضيات

