يشكل التقارب الجيوسياسي بين المغرب وإثيوبيا أحد أبرز التحولات في هندسة العلاقات داخل القارة الإفريقية خلال العقد الأخير، في سياق دينامية دبلوماسية نشطة تقودها الرباط لترسيخ حضورها القاري وتعزيز التعاون جنوب–جنوب وفق رؤية تقوم على مبدأ “رابح – رابح”. ويأتي هذا التقارب في إطار مقاربة استراتيجية تسعى إلى بناء شراكات تنموية وأمنية تعزز الاستقرار وتخدم المصالح العليا للمملكة المغربية.
فالعلاقة بين المغرب و**إثيوبيا** لم تعد تقتصر على التعاون الدبلوماسي التقليدي، بل تطورت إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد والأمن والثقافة والبنية التحتية، بما يجعل محور الرباط – أديس أبابا أحد المسارات الصاعدة لإعادة تشكيل التوازنات داخل القارة الإفريقية.
انطلاقة جديدة منذ الزيارة الملكية
شكّلت الزيارة التاريخية التي قام بها جلالة الملك محمد السادس إلى أديس أبابا سنة 2016 محطة مفصلية في إعادة بناء العلاقات الثنائية، إذ وضعت أسس مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي بعد عقود من الفتور الدبلوماسي.
ومنذ تلك الزيارة، اتجهت الدبلوماسية المغربية نحو تحويل العلاقة مع إثيوبيا إلى شراكة بنيوية طويلة الأمد، تستند إلى مشاريع اقتصادية كبرى وتعاون مؤسساتي متزايد، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء محور إفريقي يمتد من غرب القارة إلى شرقها.
الأمن الغذائي والطاقة: قاعدة الترابط الاقتصادي
في قلب هذا التقارب يبرز التعاون الاقتصادي كركيزة أساسية، خاصة في مجال الأمن الغذائي والصناعات الزراعية. ويأتي مشروع المجمع الصناعي للأسمدة في مدينة ديرة داوا الإثيوبية، الذي يقوده المكتب الشريف للفوسفاط، كأحد أهم المشاريع الصناعية المشتركة في القارة.
ويهدف هذا المشروع إلى تحويل إثيوبيا إلى منصة إقليمية لإنتاج الأسمدة الموجهة للأسواق الإفريقية، بما يعزز الإنتاج الزراعي ويرفع إنتاجية المحاصيل الأساسية في منطقة القرن الإفريقي، الأمر الذي يساهم في دعم الأمن الغذائي لملايين السكان.
تموضع دبلوماسي داخل الفضاء الإفريقي
لا يقتصر التقارب بين البلدين على الاقتصاد، بل يمتد إلى المجال السياسي والدبلوماسي، حيث تمثل أديس أبابا مركز القرار الإفريقي لكونها مقر الاتحاد الإفريقي.
ويتيح هذا الموقع للمغرب تعزيز حضوره داخل المؤسسات الإفريقية والتفاعل المباشر مع النخب السياسية في شرق القارة، في إطار استراتيجية تهدف إلى ترسيخ التوازنات داخل المنظومة القارية وتعزيز التعاون الإفريقي البيني.
القوة الناعمة والدبلوماسية الروحية
إلى جانب الأبعاد السياسية والاقتصادية، تعتمد الرباط على أدوات القوة الناعمة لتعزيز حضورها في شرق إفريقيا. ففي المجال الديني والثقافي، تلعب مؤسسات مثل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة دوراً مهماً في نشر قيم الاعتدال والوسطية.
كما يشكل معهد محمد السادس لتكوين الأئمة منصة لتكوين الأئمة والمرشدين الدينيين من عدد من الدول الإفريقية، من بينها إثيوبيا، في إطار مقاربة تهدف إلى تعزيز الأمن الروحي ومواجهة خطاب التطرف العنيف.
الربط اللوجستي وبناء ممر اقتصادي إفريقي
في بعد آخر من هذه الشراكة، يبرز التعاون في مجال الربط اللوجستي والتجاري، حيث تسعى الرباط إلى نقل خبرتها في إدارة الموانئ والبنيات التحتية إلى منطقة القرن الإفريقي، بما يساهم في تسهيل ولوج إثيوبيا، الدولة الحبيسة، إلى الممرات البحرية العالمية عبر موانئ المنطقة.
كما أن تعزيز الربط الجوي والتجاري بين الدار البيضاء وأديس أبابا يفتح المجال أمام توسع الاستثمارات المغربية داخل أسواق شرق إفريقيا، ويمنح الشركات المغربية منفذاً نحو فضاءات اقتصادية واعدة.
تعاون أمني لمواجهة التهديدات العابرة للحدود
في ظل التحديات الأمنية التي تعرفها مناطق الساحل والقرن الإفريقي، يشكل التعاون الأمني والعسكري أحد أعمدة الشراكة بين البلدين. وقد شهدت السنوات الأخيرة توقيع اتفاقيات لتعزيز التعاون في مجالات التكوين العسكري وتبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ويهدف هذا التنسيق إلى مواجهة التهديدات الأمنية المتنامية التي تمتد من البحر الأحمر إلى الساحل الإفريقي، في سياق يزداد فيه حضور الشبكات الإرهابية والجماعات الإجرامية العابرة للحدود.
من القطيعة إلى الشراكة الاستراتيجية
تاريخياً، مرت العلاقات بين البلدين بفترة قطيعة دبلوماسية طويلة منذ ثمانينيات القرن الماضي، في ظل سياقات الحرب الباردة والتجاذبات الإيديولوجية داخل القارة. غير أن التحولات التي عرفتها السياسة الإفريقية خلال العقد الأخير فتحت الباب أمام إعادة بناء العلاقات على أسس جديدة قائمة على المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي.
واليوم، يبدو أن محور الرباط – أديس أبابا يتجاوز مجرد تعاون ثنائي ليشكل نواة لمعادلة جيوسياسية إفريقية جديدة، تربط غرب القارة بشرقها عبر شبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة.
وبين مشاريع التنمية والتنسيق الأمني والتقارب الثقافي، يتجه هذا المحور تدريجياً نحو ترسيخ نموذج للتعاون الإفريقي يقوم على الاستقلال الاستراتيجي وتعزيز التكامل القاري، في انسجام مع الطموحات التي تسعى إليها القارة ضمن أجندتها التنموية طويلة المدى.

