لم يمر وقت طويل على اندلاع الجدل حول حملة مراقبة الدراجات النارية حتى أعلن رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تدخله المباشر وتعليق الحملة لمدة 12 شهرا، بعد اتصال أجراه مع وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح. قرار بدا في ظاهره تجاوبا مع ضغط اجتماعي واسع، لكنه في عمقه يرسل إشارات سياسية واضحة بأن سباق 2026 الانتخابي بدأ مبكرا.
أخنوش في صورة “المنقذ”
سرعة تدخل رئيس الحكومة كانت لافتة؛ فخلال أيام قليلة من تصاعد الغضب الشعبي، بادر إلى تجميد القرار، متقدما على وزارة النقل نفسها، ومرسخا صورة “المستمع لنبض الشارع”. هذه الصورة، التي تحتاجها قيادة الأحرار بشدة في ظرفية تآكل الثقة، تُسوّق أخنوش كفاعل يحمي المواطن من قرارات وزارية أثارت سخطا، حتى وإن تعلق الأمر بقرار صادر عن حليف استراتيجي داخل الأغلبية.
الاستقلال في موقع دفاعي
في المقابل، بدا حزب الاستقلال عبر وزير النقل، وكأنه المتسبب في الأزمة، بعدما ارتبط اسمه بالقرار الأولي المثير للجدل. بينما نجح التدخل السريع لرئيس الحكومة في تحويل الأنظار إلى الأحرار كحزب يلتقط إشارات الشارع. وهو ما يجعل من تعليق الحملة ليس مجرد “إيقاف إداري”، بل خطوة سياسية محسوبة في سياق تنافسي مبكر.
الملف الاجتماعي كوقود سياسي
أهمية الملف تعود لكونه يهم شريحة واسعة من المواطنين، أغلبهم من الفئات الفقيرة والطبقات الوسطى. الاحتجاجات الرقمية التي غمرت مواقع التواصل الاجتماعي حولت المسألة من نقاش تقني إلى قضية رأي عام، ما فرض تدخلا عاجلا من أعلى هرم السلطة التنفيذية.
ازدواجية القرار الحكومي
الواقعة كشفت عن ازدواجية داخل التحالف الحكومي: وزارة النقل تفعل دورية صارمة باسم السلامة الطرقية، بينما رئيس الحكومة يوقفها باسم الاستجابة للمجتمع. هذا التناقض لم يمر دون أن يُقرأ كإشارة على ضعف الانسجام، وربما كبداية لتموقع انتخابي مبكر داخل الأغلبية نفسها.
سياق متكرر في السياسة المغربية
استغلال الملفات الاجتماعية في التنافس السياسي ليس جديدا؛ فملفات كالمحروقات (2018) أو التوظيف بالتعاقد في التعليم تحولت من قضايا تقنية إلى أوراق انتخابية بامتياز. واليوم، يعيد ملف الدراجات النارية إنتاج النمط نفسه: قضية مرتبطة بالسلامة الطرقية تتحول إلى مناسبة لالتقاط صورة سياسية، حيث يظهر الأحرار في موقع “المنقذ”، بينما يُترك حليفهم الاستقلال في موقع المتسبب في الغضب.
نحو انتخابات 2026
تعليق الحملة لم يُنه النقاش، بل فتحه على مصراعيه. فمن جهة، أُعطي للمواطنين عام كامل لتصحيح أوضاعهم، ومن جهة أخرى، أُطلقت دينامية جديدة داخل التحالف، حيث يحاول كل طرف تعزيز صورته كفاعل قريب من الناس. وفي العمق، تكشف الواقعة أن انتخابات 2026 ستكون معركة اجتماعية بامتياز، وأن أي قرار تقني قد يتحول إلى ورقة انتخابية رابحة أو خاسرة.

