بعد أشهر من القلق المتصاعد بشأن الموارد المائية، جاءت التساقطات المطرية الأخيرة لتُحدث تحوّلا لافتًا في منحنى مخزون السدود بالمملكة، إذ أسهمت في رفد الحقينات الوطنية بأكثر من مليار متر مكعب من المياه، وهو ما انعكس مباشرة على نسب الملء، خاصة في شمال البلاد الذي تصدّر مشهد الانتعاش المائي.
وحسب المعطيات المحيّنة الصادرة عن وزارة التجهيز والماء، فقد تجاوز معدل الملء بالسدود الكبرى لجهة طنجة – تطوان – الحسيمة 61%، مسجلاً ارتفاعًا يُقدّر بأزيد من 312 مليون متر مكعب مقارنة بالمستويات التي سبقت الاضطرابات الجوية لشهر دجنبر 2025. وبلغ المخزون الإجمالي للجهة 1182,9 مليون متر مكعب بنسبة 61,9%، في واحدة من أهم القفزات التي تُسجل منذ بداية الموسم المائي الحالي.
ويأتي سد وادي المخازن بإقليم العرائش في صدارة السدود الأكثر امتلاءً بالمملكة، بمخزون بلغ 664,8 مليون متر مكعب، وبنسبة ملء تقارب 98%، مستفيدًا من واردات إضافية بلغت 29,4 مليون متر مكعب خلال 24 ساعة فقط، ما يجعله من أبرز المنشآت المائية الاستراتيجية التي تؤدي أدوارًا مركبة بين السقي، وتأمين الماء الشروب، وضبط التدفقات المائية خلال فترات التقلبات المناخية.
وفي عمالة طنجة – أصيلة، كشفت الأرقام عن تفاوت في مستويات التخزين:
•سد 9 أبريل 1947 يخزن 68,8 مليون متر مكعب بنسبة 22%
•سد دار خروفة في حدود 110,2 مليون متر مكعب بنسبة 22%
•بينما سجل سد ابن بطوطة 91% من طاقته بمخزون 26,5 مليون متر مكعب، في حين حافظ سد ابن بطوطة على نسبة 91% من الملء.
أما في المضيق – الفنيدق، فقد بلغ مخزون سد سمير 28,5 مليون متر مكعب بنسبة 73%، في وقت سجل فيه سد طنجة المتوسط 14,2 مليون متر مكعب بنسبة 64%، فيما يخزن سد مولاي الحسن بن المهدي بإقليم الفحص – أنجرة 11,8 مليون متر مكعب بنسبة 50%.
وفي مقابل هذا الانتعاش الشمالي، ظلت سدود إقليم الحسيمة بعيدة عن منسوب التحسن المسجل وطنيا، إذ لم تتجاوز نسبة الملء في سد عبد الكريم الخطابي 19% بمخزون 2,2 مليون متر مكعب، بينما لم يتخطَّ مخزون سد جمعة 0,7 مليون متر مكعب بنسبة 13%، ما يؤشر إلى أن تأثير التساقطات لم يشمل كل المناطق بنفس القوة، وأن الإقليم لا يزال بحاجة إلى دعم مائي أكبر لتجاوز العجز الهيكلي في موارده.
وعلى الصعيد الوطني، بلغ المخزون الإجمالي للسدود الكبرى بالمملكة 7123 مليون متر مكعب بنسبة ملء 42,5%، وهو رقم يبقى أقل من المعدلات المثلى التي تراهن عليها الاستراتيجيات الحكومية، لكنه يعكس في الآن ذاته دينامية إيجابية للموارد المائية مع بداية 2026، مدعومة بالواردات المسجلة في عدد من السدود الحيوية، وعلى رأسها:
•سد الوحدة بإقليم تاونات بـ46,8 مليون متر مكعب من الواردات (54,4% من الملء)
•سد أحمد الحنصالي ببني ملال بواردات بلغت 34,1 مليون متر مكعب (34,3% من الملء)
•وسد سيدي محمد بن عبد الله بالرباط بـ23,8 مليون متر مكعب (82,2% من الملء)
•إلى جانب سد سيدي محمد بن عبد الله الذي ارتفع إلى 98% من الملء بعد واردات قدرت بـ31 مليون متر مكعب، في مؤشر على تحسن واضح للوضعية المائية بالعاصمة وضواحيها.
هذا الانتعاش، رغم أنه لا يلغي الحاجة الملحّة لإصلاحات هيكلية في تدبير الماء، يُعيد طرح سؤال عدالة التوزيع المجالي للتساقطات وتأثيراتها على السدود، ويؤكد أن المغرب، وإن كسب جولة الأمطار، لم يحسم بعد معركة الأمن المائي الطويلة، التي ستظل رهينة استمرار التساقطات، وتسريع مشاريع التحلية، والربط بين الأحواض، وترشيد الاستعمال الفلاحي والصناعي للماء

