الهزيتي محمد أنوار*
*خبير في التنمية الترابية و عضو المعهد الدولي للعلوم الإدارية
على مدى عقود، انخرط المغرب في عملية تدريجية لتحديث جهاز الدولة وإعادة التوازن إلى التراب الوطني، اتسمت بإصلاحات متتالية تهدف إلى تعزيز دور الجماعات الترابية وتقريب الخدمات العمومية من المواطنين. وقد اكتسب هذا المسلسل زخمًا جديدًا مع الجهوية المتقدمة والقوانين التنظيمية التي أعادت تعريف صلاحيات الجماعات الترابية. ومع ذلك، ورغم هذه التطورات المؤسساتية، غالبًا ما تظل التقائية السياسات العمومية غير كافٍ. فالمبادرات الوطنية والمشاريع الجهوية يمكن أن تتقدم بوتيرة متفاوتة، وقد تعمل القطاعات الحكومية على تحقيق أهداف متناقضة، وتجد السياسات المالية للدولة صعوبة من أجل تحقيق الالتقائية. وبالتالي، ففي مواجهة العدد المتزايد من التحديات المتقاطعة والمتمثلة في التحول في مجال الطاقة، والتحول الرقمي، والقدرة على التكيف مع تغير المناخ، والإدماج الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية المحلية، فقد من الضروري إعادة النظر في نموذج صناعة السياسات العمومية من خلال إحداث إطار مؤسساتي وطني دو صبغة تقريرية قادر على ضمان الالتقائية الأفقية بين القطاعات والعمودية بين الحكومة المركزية والجماعات الترابية.
لقد عرف المغرب تجارب عديدة عبر إحداث مجالس عليا تهدف إلى لعب دور التنسيق في السياسات العمومية كالمجلس الأعلى للإنعاش والتخطيط والمجلس الأعلى لإعداد التراب، ولكن توصيات هذه المجالس لم تكن ذات صبغة تقريري وتقتصر على أدوار استشارية. إن غياب آلية حكامة وطنية فعّالة حقًا له عواقب ملموسة على أرض الواقع. في كثير من الأحيان، تُطلق مشاريع كبرى للبنية التحتية دون تكامل كافٍ بين مكونات التكوين المهني، والصحة، والنقل، أو التنمية الاقتصادية الترابية المصاحبة لها. وأدت السياسات القطاعية، المعدة والمنفذة بشكل مستقل، إلى تزايد الكلفة المالية التقائيتها مع البرامج الترابية. ومن جهة أخرى، تتمكن بعض المناطق ذات القدرات التقنية القوية من جذب المزيد من المشاريع وخاصة محور طنجة الجديدة، بينما تظل مناطق أخرى هشة تنمويا، مما يؤدي إلى تفاقم التفاوتات الترابية التي تتعارض مع الأهداف الوطنية المتمثلة في العدالة والتماسك الاجتماعي. ولا تنبع هذه الاختلالات من غياب الإرادة السياسية للسلطة التنفيذية فحسب، رغم التوجيهات الملكية السامية في عدة مناسبات، بل أيضًا من نقص الآليات المؤسساتية الملائمة لتعقيد السياسات العمومية المعاصرة وترابطها.
ولا يعني إحداث هيئة وطنية لالتقائية السياسات العمومية تقوية مركزية القرارات على حساب القرارات الترابية؛ بل على العكس، يعني ابتكار نموذج حكامة مختلط يجمع بين الشرعية السياسية والخبرة التقنية والجذور الترابية. وتهدف هذه الهيئة في المقام الأول إلى ملائمة الأولويات الوطنية مع الديناميات الترابية، والتحكيم في تضارب الأهداف بين القطاعات الحكومية، وضمان تنسيق التمويل والجداول الزمنية للإنجاز. وستعتمد فعاليته على قدرته على إرساء مسلسل عمل منتظم بين القطاعات الحكومية، وإنتاج دراسات موجزة واستشرافية، واقتراح سيناريوهات تحكيم مدعومة بالبيانات. وباختصار، سيصبح مركزًا إجرائيا لترجمة التوجهات الاستراتيجية إلى برامج متماسكة وقابلة للتحقيق على المستوى الترابي. ولكي يكون لهذا الهيكل تأثير ملموس، يجب دراسة تكامله مع المشهد المؤسساتي بعناية تجنبا للتداخل في الاختصاصات. يجب ألا يبدو مجرد إضافة بنية أخرى لا أثر لها. وهذا يتطلب تحديدًا واضحًا لمجالات تدخله، ونطاق تحكيمه، وآليات تعاونه مع القطاعات الحكومية والجماعات الترابية. ومن جهة أخرى، يجب دمج أدوات واضحة لملائمة التوازن الميزانياتي، وتبادل المعلومات، والرصد والتقييم في عملياته. فعلى سبيل المثال، من شأن تنفيذ دورات ميزانية منسقة تراعي الأولويات الوطنية والمسارات الترابية أن يساعد على سد الفجوات بين التخطيط والتنفيذ. وبالمثل، من شأن آليات الرصد المشتركة – المؤشرات المنسقة، ولوحات المعلومات الترابية، والتقييمات المستقلة – أن تعزز المساءلة وتسهل تعديل السياسات في الوقت المناسب.
على مستوى الشرعية السياسية ، ستحظى هذه البنية الوطنية الجديدة بالقبول إذا أحدثت على أعلى مستوى حكومي و بإشراف مباشر من جلالة الملك، وإذا شارك فيه فعليًا المسؤولون الترابييون المنتخبون و الإداريون. حيث يُعدّ دمج رؤساء الجماعات الترابية وخاصة الجهات و ولاة الجهات و العمال في الهيئات الاستشارية وهيئات التقائية السياسات العمومية أمرًا أساسيًا لإرساء نهج تعاوني. ومن شأن الحكامة الدامجة أن تقلل من خطر الرفض، وتضمن أن تكون القرارات مبنية على واقع الجماعات الترابية. وسيكون للمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص دورٌ أيضًا. فمساهمتهم في تطوير التقييمات وتقييم السياسات تُحسّن جودة القرارات، وتُعزز قبولها الاجتماعي. ويبدو أن البناء التدريجي والتجريبي هو النهج الأكثر حكمة وفعالية. فبدلًا من فرض نموذج وطني موحد بأكمله فورًا، يُفضّل البدء بمشاريع تجريبية في عدد قليل من الجهات، المختارة لتنوعها الاجتماعي والاقتصادي. وستتيح هذه المشاريع التجريبية اختبار آليات التنسيق، وأدوات توزيع الميزانية، وأنظمة الرصد المناسبة، مع استخلاص الدروس من التجارب الملموسة. وستوفر ردود الفعل من هذه التجارب التجريبية أساسًا متينًا لتعديل التصميم المؤسساتي وإجراءات الحكامة قبل تعميم النموذج تدريجيًا في جميع أنحاء المملكة.
من جانب آخر، من المهم أيضًا توقع أي مقاومة محتملة ومعالجتها. فقد تخشى إدارات الحكومة المركزية من تقليص صلاحياتها، بينما قد يخشى بعض أصحاب المصلحة الترابيين من شكل جديد من الرقابة. وللتحكم في هذه الردود، يجب أن يقترن الإصلاح بحوار شفاف حول الأهداف، والمستفيدين المتوقعين، وضمانات احترام استقالالية الجماعات الترابية. وهنا، يُعدّ التكوين وبناء القدرات للفاعلين الترابيين أمرًا أساسيًا لضمان ألا يقتصر التنسيق على الاجتماعات رفيعة المستوى، بل يترجم إلى تنفيذ عملي سلس.
من الناحية التقنية، يُمثل دعم أنظمة المعلومات وتوافر البيانات الترابية تحديًا كبيرًا ومصيريا. وتعتمد التقائية السياسات العمومية على القدرة على مشاركة التقييمات الموثوقة، ومقارنة المعلومات القطاعية، ووضع توقعات خاصة بكل جماعة ترابية. و بالتالي، فإن الاستثمار في منصات البيانات المترابطة، وتطوير المراصد الإقليمية، وتوحيد مؤشرات الأداء، من شأنه أن يسمح باتخاذ قرارات واقعية قائمة على البيانات، وتحسين الشفافية، وقياس الأثر الحقيقي للسياسات العمومية. ومن شأن هذه الأدوات الرقمية، إلى جانب المهارات التحليلية المتطورة، أن توفر أساسًا متينًا لاتخاذ قرارات أكثر استنارة ومرونة.
وأخيرًا، يُعد دمج هذا الإصلاح في منظور طويل الأمد أمرًا أساسيًا. ويجب أن يكون إنشاء البنية الوطني لالتقائية السياسات العمومية جزءًا من رؤية استراتيجية للدولة والبلاد، ذات أهداف واضحة تتعلق بالإنصاف الترابي والاستدامة والأداء العام تماشيا مع الرؤية الملكية السامية في مجال التنمية الترابية ومخرجات النموذج التنموي الجديد. ويجب أن يُنظر إليه كرافعة لتعزيز المرونة الترابية في مواجهة الصدمات، وتسريع التحول البيئي والرقمي، ودعم خلق فرص عمل محلية لائقة. وبهذا المعنى، فهو ليس مجرد أداة للالتقائية، بل هو أيضًا محرك للتحول المؤسساتي الهادف إلى جعل التدخلات العمومية أكثر تماسكًا وفعالية وقربًا من المواطنين.
وختامًا، يمر المغرب بمرحلة محورية ومصيرية، حيث ستحدد جودة حكامته الترابية إلى حد كبير نجاح طموحاته التنموية. إن إرساء بنية وطنية للالتقائية يُعنى بالتقارب الأفقي والعمودي للسياسات العمومية ليس مجرد خيار إداري، بل هو ضرورة استراتيجية لترجمة التوجهات الاستراتيجية الوطنية إلى واقع ملموس، وملائمة التدخلات القطاعية والترابية، وضمان توزيع أكثر عدالة وكفاءة للموارد. ومن خلال التخطيط الدقيق والتنفيذ التدريجي والإرادة السياسية القوية، يُمكن لهذا الإصلاح أن يُمهّد الطريق لحكامة متجددة، قادرة على توجيه المملكة نحو تنمية شاملة ومستدامة.










































