( بعد أن قلنا رأينا… لن نهرب، والقرار الآن للمؤسسات المهنية )
زمننا ليس زمن قانون، ولا حكومة، ولا ولاية تشريعية، ولا معركة مهنية عابرة؛ زمننا زمن اجتماعي على قدر عمر الوطن؛ نعمل بالقانون المتاح إلى أن نغيره، ونشتغل داخل المؤسسات من أجل إصلاحها لا لأننا نعتبرها مكتملة، ونقاوم حين تقتضي المقاومة، ونراجع وسائلها حين يقتضي العقل ذلك؛ لأن الثابت عندنا هو مشروع الإصلاح، أما الوسائل فتتغير بتغير السياقات والبنيات وموازين القوى.
ومن هذا الموقع قدمنا موقفنا من المرحلة الراهنة التي تعيشها المحاماة، فلم نزعم امتلاك الحقيقة، ولم ندخل سباقاً بعقلية المزايدة على المبدئية أو الصمود، ولم نبحث عن تبرير مسبق للاستمرار أو التعليق؛ فقد اخترنا أن نتحمل مسؤولية التفكير، وأن نطرح الأسئلة التي قد تكون مزعجة أحياناً، لكنها تصبح أكثر ضرورة كلما طالت المعركة وارتفعت كلفتها.
كان سؤالنا ولا يزال: ماذا حقق التوقف؟ ماذا بقي بإمكانه أن يحقق؟ ما كلفته؟ ما قدرة الجسم المهني على الاستمرار فيه؟ وما الوسيلة الأقدر، في هذه المرحلة، على خدمة الأهداف التي انطلقت من أجلها المعركة؟
مناظرة الآراء لا محاكمتها :
حرصنا لذلك على مناظرة مختلف الآراء داخل الجسم المهني، بما فيها الرأي الداعي إلى مواصلة التوقف دون تعليق، كما ناقشنا الرأي الداعي إلى تعليقه مؤقتاً واستثمار استراحة تقييمية لإعادة ترتيب أدوات المواجهة؛ ولم نقبل اختزال الاختلاف في ثنائية بين «الصامدين» و«المتراجعين»، أو «المبدئيين» و«المتخاذلين»؛
فالقول باستمرار التوقف موقف مشروع له حججه المهنية والتفاوضية، مثلما أن القول بتعليقه مؤقتاً موقف مشروع له منطقه المرتبط باقتصاد المجهود وتجديد الأنفاس واستعادة المبادرة ، ولا تكتسب أي حجة قوتها من ارتفاع نبرة أصحابها، وإنما من قدرتها على تفسير الواقع واستشراف المآلات واقتراح البدائل ؛ ولهذا رفضنا النزعة الحدّية التي تحول الاختلاف حول الوسيلة إلى خصومة حول المبدأ، وتجعل المعركة محكومة بثنائية صفرية: إما الاستمرار وإما الاستسلام. فبينهما فضاء واسع للفعل: إعادة الانتشار، وتنويع وسائل الاحتجاج، والتفاوض، والترافع التشريعي والدستوري والقضائي، والعمل التنظيمي والتواصلي، وبناء التحالفات، وإنتاج البدائل؛ فالمعركة أكبر من وسيلتها، والمبدأ أبقى من أداته.
كيف لنا أن نصمد دون أن نفتحص قدرتنا على الصمود؟
كان هذا، في تقديرنا، السؤال الأكثر إلحاحاً؛ فالصمود ليس مجرد إعلان إرادة، بل قدرة ينبغي معرفة شروط إنتاجها واستدامتها؛ ولذلك طالبنا القيادة المهنية بإجراء افتحاص واقعي لقدرات الجسم المهني على المواصلة، وألا نقيس القوة فقط بمنسوب الحماس الظاهر أو التعبير الجماعي عن الاستعداد للاستمرار؛ فالقرار جماعي، لكن كلفته تنزل على أوضاع فردية متفاوتة.
ومن هنا كانت دعوتنا إلى تشخيص الوضعية المهنية والاجتماعية والاقتصادية للمحاميات والمحامين، وخاصة الشباب والفئات الأكثر عرضة للهشاشة ؛ ولا ينبغي أن نفهم الاعتراف بالهشاشة الداخلية باعتباره تبخيساً للإرادة أو المبدئية؛ فالعكس هو الاصح : إنكار الهشاشة لا ينتج قوة، وإنما يحرم القرار من معرفة جزء أساسي من الواقع الذي يفترض أن يتأسس عليه؛ فقد يمتلك الإنسان إرادة الصمود ولا يمتلك إلى ما لا نهاية موارده المادية والاجتماعية والنفسية ؛ ولذلك فالتضامن المهني، على أهميته، ينبغي ألا يظل تدخلاً ظرفياً لتخفيف بعض الآثار، بل أن يصبح جزءاً من التفكير الاستراتيجي في شروط استمرار المعركة؛ فإذا أردنا أشهراً أخرى من الصمود، وجب أن نسأل: كيف سنؤمّن شروطها؟ ومن هم الأكثر تحملاً للكلفة؟ وكيف نحميهم من أن يتحول تفاوت القدرة الاقتصادية إلى تفاوت في القدرة على ممارسة المبدئية نفسها؟
وهل تخشى القوة استراحة مؤقتة؟
ومن الحجج التي تستحق المناقشة التخوف من أن يؤدي تعليق التوقف مؤقتاً إلى خفوت الحماس وصعوبة استعادة التعبئة. إننا نقدر مشروعية هذا التخوف، لكننا نرى أنه يستدعي سؤالاً مقابلاً: إذا كانت التعبئة راسخة في وعي مهني جماعي، وفي عدالة قضية مشتركة، وفي مؤسسات قادرة على القيادة، فلماذا نفترض أن استراحة تقييمية محسوبة كفيلة بتبديدها؟
بل قد تكشف الخشية المفرطة من مجرد التعليق، من حيث لا يقصد أصحابها، عن شيء من التردد في الثقة بعمق التعبئة ذاتها، أو عن عدم يقين في قدرة الجسم المهني على استعادتها ؛ فالقوة التي تخشى أن تتوقف لحظة لتلتقط أنفاسها حتى لا تنهار تحتاج هي نفسها إلى مساءلة شروط قوتها؛ أما الثقة الحقيقية في القدرة على المقاومة فلا تخشى اختبارها وقياسها وتجديد مواردها؛
فالاستراحة كمحطة وقتية ، متى كانت قراراً واعياً ومؤطراً بهدف وبرنامج وأجل، ليست بالضرورة انطفاءً للجذوة؛ وقد تكون وسيلة لحمايتها من الاستنزاف.
المبدأ ثابت والوسيلة موضوع للتقييم :
ومن هنا كان إصرارنا على التمييز بين المبدأ والوسيلة؛ لأن الدفاع عن استقلال المحاماة، وصون وظيفتها الحقوقية، ورفض ما نعتبره إخلالاً بضماناتها، ومواصلة المطالبة بإصلاح القانون، هي من صميم الغايات التي تجمعنا ؛ أما التوقف الشامل عن العمل فهو وسيلة من وسائل تحقيقها، والوسيلة لا تتحول، مهما كانت رمزيتها وقوة التعبئة التي أنتجتها، إلى مبدأ قائم بذاته.
لذلك فإن تقييمها أو تعليقها أو استبدالها لا يعني بالضرورة التراجع عن الغاية، مثلما أن استمرارها لا يكون فضيلة في ذاته إذا لم يعد يحقق أفضل مردودية ممكنة قياساً إلى كلفته ومدى نجاعته !
لقد تغير أيضاً موضوع المعركة بعد نشر القانون؛ فلم نعد أمام مشروع نريد منع صدوره فحسب، بل أمام قانون نافذ أصبح تغييره يقتضي نفساً جديداً وأدوات أخرى إلى جانب الاحتجاج: التعديل التشريعي، والترافع الدستوري والقضائي، والحوار والتفاوض، والرصد العملي لمشكلات التطبيق، والتنظيم والتواصل، وإنتاج المقترحات والبدائل؛ وهذا هو معنى اقتصاد المجهود والنفس الطويل: ليس الانسحاب من المعركة، وإنما حمايتها من أن تختزل في أداة واحدة أو تستنفد كامل طاقتها في مرحلة واحدة.
إصلاحيون كنا… وإصلاحيين نظل :
لقد كنا واضحين وشفافين بشأن الموقع الذي نصدر عنه: نحن إصلاحيون داخل مهنتنا، وإصلاحيون في تصورنا لكيفية تغيير ودمقرطة الدولة والمجتمع؛ وإن الحد الأدنى المشترك الذي يجمعنا ويؤطر خياراتنا أوسع من قانون للمحاماة، وأبعد من خلاف حول وسيلة احتجاجية. فرسالتنا هي الاستمرار في الدفع في اتجاه الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية والتشريعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ ولذلك لا نقيس زمننا بعمر حكومة أو برلمان أو دورة تشريعية ، لأن زمننا زمن اجتماعي على قدر عمر الوطن؛ أما الأزمنة السياسية والتشريعية والمؤسساتية فهي محطات داخله، نتعامل معها بحسب سياقاتها وبنياتها وموازين القوى فيها ؛ نستثمر فرص التقدم، ونقاوم احتمالات التراجع، وتشحذ الانتكاسات عزائمنا مثلما تعزز المكتسبات ثقتنا بإمكان الإصلاح ،ونعمل بالقانون المتاح إلى أن نغيره؛ فلا نقدس القانون لمجرد أنه أصبح نافذاً، ولا ننكر وجوده لأننا نعارضه. نحن معا نستعمل ما يتيحه من إمكانات، ونختبر حدوده، ونواجه اختلالاته بالوسائل القانونية والمؤسساتية المتاحة، ونراكم في الوقت نفسه شروط تعديله وتجاوزه ؛ وهذا ليس تناقضاً، وإنما من صميم الفكر الإصلاحي: الاشتغال داخل الممكن من دون تحويل الممكن الراهن إلى سقف للمأمول.
الإصلاحية ليست ممرا سلسا / من أزمة الثقة إلى فقه الاستدراك :
لكن الإصلاحية، بهذا المعنى، ليست اختياراً مريحاً ولا طريقاً أقل كلفة من غيره. قد تكون، في بعض اللحظات، أشق من أشكال التغيير الصدامي نفسها؛ لأنها لا تكتفي بإعلان رفض القائم، وإنما تلزم صاحبها بالبقاء داخله بما يكفي لفهمه، ونقده، ومفاوضته، والضغط عليه، واقتراح بديله، ثم العودة في كل مرة إلى قياس ما تحقق وما تعذر وما ينبغي استدراكه. إنها تحتاج إلى صبر تاريخي من دون استسلام، وإلى مرونة من دون سيولة في المبادئ، وإلى تفاوض من دون إذعان، وإلى تسوية من دون مساومة على جوهر الحقوق.
ولهذا تحتاج الإصلاحية إلى بيئة حقوقية ومؤسساتية سليمة تسمح للاختلاف بأن يتحول إلى تفاوض، وللتفاوض بأن ينتج التزاماً، وللالتزام بأن يراكم الثقة. وهنا بالذات تظهر مسؤولية القيادات وتمثيلية التعبيرات المهنية: فالتفاوض لا يقاس فقط بقدرته على إنتاج تسوية، وإنما أيضاً بنوعية التسوية وبالشروط التي أنتجتها. فقد تكون التسوية مخرجاً عقلانياً من أزمة، وقد تنقلب، إذا اختل ميزانها أو غابت ضماناتها، إلى مساومة أو إذعان تعسفي يعيد إنتاج التجارب السابقة.
ومن أخطر ما يهدد المسار الإصلاحي أن تنهار المصداقية داخل قنوات الحوار نفسها. فكل توافق لا يجد طريقه إلى التنفيذ، وكل التزام يعقبه التراجع عنه، لا ينتهي أثره عند موضوعه المباشر، بل يقتطع جزءاً من رصيد الثقة الضروري لأي تفاوض لاحق. ولعل تجربة الحوار مع الحكومة والوزارة المكلفة بقطاع العدل، وهي اليوم شريك مؤسساتي في منظومة العدالة وليست سلطة وصاية على المحاماة، تقدم مثالاً على خطورة التردد في الوفاء بما يُبنى توافقياً؛ لأن نقض الالتزام لا يعيد الأطراف ببساطة إلى نقطة البداية، بل يعيدهم إليها بثقة أقل.
وهكذا يقع ما يمكن تسميته بالتآكل السائل للثقة: لا تنهار القنوات دفعة واحدة، وإنما تفقد مشروعيتها وفعاليتها تدريجياً كلما اتسعت المسافة بين ما يقال على طاولة الحوار وما يتحقق خارجها؛ لكن الرد الإصلاحي على أزمة الثقة ليس إغلاق باب الحوار، كما أنه ليس الاستمرار في المرور من قناة فقدت فعاليتها وكأن شيئاً لم يحدث؛ فهنا يصبح التفكير في تنويع قنوات التفاوض والوساطة جزءً من استعادة المبادرة: فتح قنوات مؤسساتية بديلة أو موازية، والاستعانة بإمكانات الوساطة التي يمكن أن تؤدي وظيفة أشبه بـ«التحكيم المجازي»، ليس بمعناه القضائي الملزم، وإنما بوصفه تدخلاً من شخصيات أو مؤسسات ؛ تفويضا من مراكز الفعل الأساسي في التسلسل الإداري والقضائي معا ، و تتوافر فيها الصلاحية المعنوية والخبرة والاستقلال والاختصاص في الحكامة والاستشارة، بما يساعد على إعادة بناء شروط الثقة وتقريب المواقف وضمان جدية الالتزامات ، دون أن
يعني ذلك القفز على المؤسسات أو إضعافها، بل على العكس: قد تكون الوساطة أحياناً وسيلة لإعادة المؤسسات نفسها إلى وظيفتها الطبيعية عندما تستنفد القنوات المباشرة قدرتها على إنتاج الثقة ؛ وهنا يستعيد فكر كارل بوبر دلالته الإصلاحية العميقة: قيمة النظام المفتوح ليست في ادعاء العصمة من الخطأ، وإنما في امتلاك الآليات التي تسمح باكتشاف الخطأ وتصحيحه بأقل كلفة ممكنة. ومن هذه الزاوية يمكن أن نجعل فقه الاستدراك مفهوماً عملياً في تدبير المرحلة حيث أننا لسنا مطالبين بإنكار ما شاب العملية التشريعية من أعطاب واختلالات، ولا بتحويلها إلى قدر نهائي؛ وإنما بتحديد ما يمكن إصلاحه، وبأي أداة، وفي أي أجل، ومن أي مدخل دستوري أو تشريعي أو قضائي أو تفاوضي.
ففقه الاستدراك لا يسأل فقط: من أخطأ؟ بل يسأل أساساً: كيف نصحح الخطأ؟ ومن يستطيع المساهمة في تصحيحه؟ وما الإشارات المتبادلة الضرورية لإعادة فتح إمكان الإصلاح؟
وهذا يقتضي مسؤولية متبادلة، فإذا كانت بعض المنابر الإعلامية قد حاولت، في لحظة من لحظات الأزمة، ربط التعبير المهني والاحتجاج بما سمته «المستنقع الأجنبي »، واستطاعت القيادة المهنية أن تفند الشبهات وتحافظ على استقلالية القرار المهني ووضوح وجهته، فإن رأب الصدع لا يمكن أن يكون مطلباً من طرف واحد ؛ فكما كان مطلوباً من المحاماة أن توضح موقعها وتدرأ عنها التأويلات المشبوهة، يصبح مطلوباً من المؤسسات المعنية أيضاً أن ترسل إشارات سياسية ومؤسساتية واضحة تساعد على إعادة بناء الثقة وتبديد الالتباس وفتح أفق الاستدراك بمثابة تجاوب يؤشر لاستيعاب الرسالة ، جبرا للخواطر والاضرار معا ؛ فالتهدئة الحقيقية ليست صمت أحد الأطراف، والثقة ليست تنازلاً أحادياً؛ إنهما بناء تفاعلي وتبادلي ، وتزداد ضرورة ذلك لأن إصلاح المحاماة ليس ملفاً قطاعياً معزولاً عن إصلاح العدالة. فالدولة نفسها في حاجة إلى استكمال مشروع الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، والذي انطلق تاسيسا على إرادة تفعيل دستور جديد خصص بابا خاصا بالحقوق والحريات ، ورتب قصدا قبل المؤسسات نفسها ؛ ولا يستقيم أن تتقدم إحدى حلقاتها ؛ اي منظومة العدالة ؛ مؤسساتياً بينما تدخل حلقة أخرى في حالة قلق وفقدان للثقة؛ فلا يمكن أن نحتفي بتجديد هياكل السلطة القضائية باعتباره عرساً مؤسساتياً للقضاء والقضاة والمواطنين ، بينما يعيش المحامون قلقاً فكرياً ومهنياً ومعنوياً عميقاً في علاقتهم بالتشريع المنظم لرسالتهم ؛ لأن استقلال القضاء واستقلال المحاماة ليسا مشروعين متنافسين؛ إنهما شرطان متكاملان لعدالة مستقلة وفعالة وجديرة بثقة المجتمع.
ومن هنا يصبح إصلاح قانون المحاماة جزءً من سؤال أكبر: كيف نصلح شروط الدولة والمجتمع التي تجعل الإصلاح ممكناً ومستداماً؟
الوعي بالذات قبل ادعاء القوة :
وهنا يكتسب الوعي بالذات معناه الحقيقي؛ فلا معرفة موضوعية بالجماعة المهنية دون معرفة ذاتها، ولا معرفة للذات من دون القدرة على نقدها؛ ولهذا لم نفهم النقد الذاتي يوماً باعتباره جلداً للذات، مثلما لم نفهم الصمود باعتباره امتناعاً عن مراجعة الوسائل؛ فأن نعرف قوتنا يعني أيضاً أن نعرف هشاشتنا، وأن نعترف بالهشاشة لا يعني الاستسلام لها، وإنما امتلاك المعرفة الضرورية لمعالجتها. والجسم المهني الذي لا يعرف موارده وحدود قدرته، ولا تفاوت أوضاع أفراده، ولا حجم المسافة بين الحماس المعلن والاقتدار الفعلي على تحمّل الكلفة، لا يستطيع إدارة معركة طويلة مهما بلغت قوة شعاراته.
الوعي بالذات شرط لمعرفة الذات، ونقد الذات شرط لتحرير إمكاناتها،
لنا ذاكرة… ولكننا لا نستنسخ الماضي
ولسنا بلا ذاكرة في هذا الاختيار.
فنحن ننتمي، فكرياً وحقوقياً ومهنياً، إلى تقاليد وطنية ممتدة قاومت الاستعمار والاستبداد، وواجهت حالات الاستثناء والطوارئ ومختلف الإجراءات الانتقالية والتعسفية، وخاضت معارك طويلة من أجل الحقوق والحريات ودولة القانون والمؤسسات ؛ وعرفت أجيال سابقة تشريعات وممارسات جعلت من العبارات الفضفاضة، من قبيل «كل ما من شأنه الإخلال…»، مداخل لتوسيع دوائر المنع والضبط والتجريم. ولهذا علمتنا الذاكرة ألا نفصل معركة النصوص عن معركة الحقوق والضمانات، وألا نقيس التقدم بمجرد تغير لغة التشريع، وإنما بمدى اتساع مجال الحرية، وخضوع السلطة للقانون، وفعالية المؤسسات والضمانات ؛ غير ان الوفاء لهذه الذاكرة لا يكون بتحويلها إلى وصفة جاهزة لكل الأزمنة؛ فالوفاء للمقاومة ليس في استنساخ أشكالها، وإنما في استدامة معناها والقدرة على ابتكار وسائلها وفق شروط كل مرحلة ، مع استحضار حالة الجسم المهني ؛ فقد نخسر جولة تشريعية ولا نخسر المعركة الإصلاحية، وقد نعمل بقانون نطالب في اللحظة نفسها بتغييره، وقد نوقف وسيلة احتجاجية لنستعيدها في شروط أفضل، أو نستمر فيها لأن التقييم الموضوعي أثبت جدواها. فالثابت ليس شكل المقاومة، بل معناها وغايتها.
قلنا رأينا… والقرار الآن للمؤسسات المهنية :
لقد تحملنا مسؤوليتنا في مرحلة النقاش: فكرنا، وساءلنا، واقترحنا، وناظرنا الآراء الأخرى، وحذرنا من الحدّية، ورفضنا تبخيس الهشاشة الداخلية، وطالبنا بافتحاص القدرة على الصمود قبل تقرير مداه ، ولم ندع أن رأينا هو الحقيقة الوحيدة، ولا سعينا إلى تحويله إلى أمر واقع.
وضعنا رأينا أمام المؤسسات المهنية، إلى جانب باقي الآراء والحجج والمعطيات، ونسند الآن النظر والتقدير للقيادة المهنية المنتخبة، لتتحمل مسؤوليتها في تركيب المعطيات واتخاذ ما تراه مفيداً للمهنة ولمستقبل المعركة؛ فإذا خلص التقدير المؤسساتي إلى أن استمرار التوقف هو الخيار الأجدى، سننضبط للقرار ونسهم في إنجاحه، مع مواصلة الدعوة إلى تأمين شروط الصمود، وخاصة للفئات الأكثر هشاشة. وإذا خلص إلى أن التعليق المؤقت واستثمار استراحة تقييمية لتجديد الأنفاس وإعادة ترتيب تفعيل الوسائل واستعادة المبادرة هو الخيار الأجدى، سننضبط له ونسهم في إنجاحه أيضاً؛ وفي الحالتين نحن على استعداد للاستجابة لأي تكليف تنفيذي تراه المؤسسات المهنية مفيداً لهذه المرحلة؛ فالانضباط لا يلغي التفكير، والتفكير النقدي لا يناقض الانضباط.
هناك زمن للاقتراح والمناظرة والاختلاف، وهناك زمن للقرار وتحمل تبعاته. لقد تحملنا مسؤولية الأول، ونسند النظر الآن إلى من يتحمل مسؤولية الثاني، ولا نسأل، في النهاية، أيُّنا أكثر صخباً، ولا أيُّنا أقدر على ادعاء المبدئية والصمود؛ وإنما نسأل: أي قرار يحفظ وحدة المحاماة، ويصون قدرتها على المقاومة، ويحمي أضعف حلقاتها، ويجعلها أقدر على مواصلة مشروعها الإصلاحي؟
فالصمود الذي لا يفتحص شروط استمراره قد يتحول إلى استنزاف، والتعليق الذي لا يحمل برنامجاً لاستعادة المبادرة قد يتحول إلى تراجع. أما التدبير الرشيد فهو القدرة على التمييز بينهما في اللحظة المناسبة.
لسنا، إذن، أمام امتحان ظرفي في المبدئية، بل أمام مسؤولية أشق وأبعد مدى: كيف ندبر المبدأ حتى يستمر؟ وكيف نحافظ على جذوة الإصلاح من دون أن نحرق بها شروط استمراره؟
ذلك أننا لا نقيس مسارنا بعمر توقف مهني، ولا بعمر قانون، ولا بعمر حكومة أو برلمان.
زمننا زمن المجتمع، وأفقنا عمر الوطن الخالد ؛ نعمل بما هو متاح، ننقده، نقاوم اختلالاته، ونراكم شروط تغييره؛ لأن الصمود الحقيقي ليس الاستمرار الأبدي في الوسيلة، وإنما الاستمرار التاريخي في الغاية النبيلة لأجل الرسالة الخالدة !
مصطفى المنوزي







