اعلن المكتب الوطني للنقابة الوطنية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عن خوض إضراب وطني يوم الثلاثاء 20 يناير 2026، مرفوقًا بتنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة التعليم العالي بمدينة الرباط، في اليوم نفسه ابتداءً من الساعة الحادية عشرة صباحًا. خطوة تصعيدية تحمل في طياتها رسائل قوية إلى الوزارة الوصية، وتعكس حجم الاحتقان داخل القطاع، بعد أشهر طويلة من الانتظار دون نتائج ملموسة.
في نداء موجه إلى موظفات وموظفي التعليم العالي، أوضحت النقابة أن هذا الإضراب يأتي تعبيرًا عن رفضها لما وصفته بسياسة “التسويف والمماطلة” التي تنتهجها الوزارة في التعاطي مع الملف المطلبي. واعتبرت أن صمت الشغيلة لم يعد مقبولًا في ظل استمرار تجاهل المطالب المشروعة، خاصة وأن هذه المطالب ليست وليدة اللحظة، بل تراكمت عبر سنوات من الانتظار والحوار غير المثمر.
وأبرزت النقابة أن طلب عقد لقاء رسمي مع الوزارة وُضع لدى مصالحها منذ 28 نونبر 2025، غير أن هذا اللقاء جرى تأجيله مرات متعددة دون تقديم مبررات واضحة. هذا التأجيل المتكرر، وفق تعبيرها، يعكس غياب الإرادة الحقيقية في فتح حوار جاد ومسؤول حول القضايا المطروحة، وعلى رأسها إخراج النظام الأساسي الخاص بموظفي التعليم العالي، الذي انتهى العمل عليه منذ 24 يناير 2025، ولا يزال حبيس الرفوف رغم مرور ما يقارب ثلاث سنوات على انطلاق مسار إعداده.
وترى النقابة أن هذا الوضع يشكل مساسًا مباشرًا بحقوق الشغيلة، ويكرس حالة من اللايقين المهني والإداري داخل المؤسسات الجامعية. فالنظام الأساسي المنتظر لا يمثل فقط إطارًا قانونيًا منظمًا لمسار الموظفين، بل يشكل حجر الزاوية لأي إصلاح حقيقي داخل المنظومة، ويضمن الحد الأدنى من الاستقرار والتحفيز للعاملين في القطاع.
كما أكدت النقابة أن هذا التصعيد يأتي أيضًا احتجاجًا على إخلال الوزارة بالتزاماتها السابقة، واستمرارها في التهرب من فتح حوار جاد ومسؤول حول الملف المطلبي بمختلف مكوناته، إلى جانب ما يعانيه القطاع من خصاص مهول في الموارد البشرية، ينعكس سلبًا على جودة الخدمات الجامعية وعلى ظروف عمل الموظفين.
في هذا السياق، شددت النقابة على أن موظفي التعليم العالي يشكلون ركيزة أساسية في سير المؤسسات الجامعية، وأن تجاهل مطالبهم ينعكس مباشرة على أداء الجامعات، وعلى قدرتها في مواكبة التحولات التي تعرفها منظومة التعليم العالي بالمغرب. فالإصلاحات الكبرى، مهما كانت طموحة، لا يمكن أن تنجح دون موارد بشرية محفزة ومؤطرة ومطمئنة إلى مستقبلها المهني.
لم يتوقف احتجاج النقابة عند حدود التأخير في إخراج النظام الأساسي، بل امتد ليشمل طريقة تعاطي الوزارة مع مشروع القانون رقم 59.24. إذ نبهت إلى عدم إشراك موظفي التعليم العالي أثناء إعداد هذا المشروع، مع تسجيل رفض أغلب التعديلات التي تقدمت بها النقابة في هذا الإطار. واعتبرت أن هذا السلوك يمثل إقصاءً غير مبرر لمكون أساسي داخل المنظومة الجامعية، ويعكس مقاربة أحادية في صياغة القوانين المؤطرة للقطاع.
وترى النقابة أن التشريع المتعلق بالتعليم العالي ينبغي أن يكون ثمرة نقاش موسع مع جميع الفاعلين، وفي مقدمتهم الموظفون الذين يشكلون العمود الفقري للإدارة الجامعية. فإقصاؤهم من هذا المسار لا ينسجم مع مبادئ الحكامة التشاركية، ولا مع الشعارات المرفوعة حول إشراك الفاعلين في بلورة السياسات العمومية.
ويأتي هذا التوتر في سياق عام يتسم بتزايد الاحتجاجات داخل عدد من القطاعات العمومية، حيث باتت فئات واسعة من الموظفين تشعر بأن الحوار الاجتماعي لم يعد يؤدي وظيفته الأساسية في حل النزاعات وتدبير الخلافات. وفي حالة التعليم العالي، يتخذ هذا الشعور بعدًا خاصًا، نظرًا للدور الحيوي الذي تلعبه الجامعة في بناء الرأسمال البشري وتأهيل الأجيال القادمة.
وختمت النقابة نداءها بالدعوة إلى إنجاح الإضراب الوطني والمشاركة المكثفة في الوقفة الاحتجاجية، معتبرة أن هذه المحطة النضالية تشكل فرصة للضغط على الوزارة من أجل الاستجابة العاجلة لمطالب الشغيلة، وتحقيق الكرامة والإنصاف لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية.
إن إضراب 20 يناير لا يبدو مجرد محطة احتجاجية عابرة، بل تعبيرًا عن تراكم الغضب داخل قطاع يشعر بأن صوته لا يُسمع بالقدر الكافي. وبين وعود مؤجلة وحوار معطل، يراهن موظفو التعليم العالي على أن يشكل هذا التصعيد نقطة تحول حقيقية في مسار ملفهم المطلبي، ورسالة واضحة مفادها أن زمن الانتظار المفتوح قد انتهى، وأن الكرامة المهنية لم تعد قابلة للتأجيل.

