Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

هيئات حقوقية تنبه من استعمال المال والنفوذ و تأثيرها على مشروعية المؤسسات المنتخبة

ارتفعت دعوات الهيئات الحقوقية والمدنية بالمغرب إلى ضمان نزاهة الاستحقاقات التشريعية المقرر تنظيمها يوم 23 شتنبر الجاري، مع اقتراب موعد الاقتراع، وسط تأكيد متواصل على ضرورة حماية حرية الناخبين وصون إرادتهم من مختلف أشكال التأثير غير المشروع، وربط العملية الانتخابية بمبادئ الشفافية والمنافسة النزيهة ودولة الحق والقانون.

وجاءت هذه الدعوات في سياق تخليد اليوم الدولي للديمقراطية، الذي يصادف 15 شتنبر من كل سنة، حيث اعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان المناسبة فرصة لإعادة التأكيد على الارتباط الوثيق بين الديمقراطية وحقوق الإنسان، وعلى ضرورة توفير شروط سياسية ومؤسساتية تضمن للمواطن ممارسة حقه في الاختيار بحرية ومسؤولية.

وأعربت الجمعية عن انشغالها بما وصفته بتوجيه الخريطة الانتخابية والتحكم في مخرجاتها، معتبرة أن استعمال المال والنفوذ والمصالح الخاصة يمكن أن يؤثر في سلامة الاختيار الشعبي وفي مشروعية المؤسسات المنتخبة. وربطت الجمعية هذه المخاوف بما تعتبره استمراراً للعزوف عن المشاركة السياسية وتراجع الثقة في العملية الانتخابية، داعية إلى اتخاذ إجراءات كفيلة بإعادة الاعتبار لصندوق الاقتراع باعتباره آلية أساسية للتعبير عن الإرادة الشعبية.

وطالبت الهيئة الحقوقية بالقطع مع مختلف أشكال توظيف المال والتدخلات التي من شأنها التأثير في العملية الانتخابية، إلى جانب الدعوة إلى إحداث هيئة مستقلة عن وزارة الداخلية للإشراف على الانتخابات، ومراجعة عدد من السياسات العمومية، فضلاً عن تعزيز حماية حرية الرأي والتعبير والصحافة والتظاهر السلمي، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وإقرار المساواة بين الجنسين.

وتضع هذه المواقف مسألة نزاهة الانتخابات في صلب النقاش الحقوقي، باعتبار أن سلامة الاقتراع لا ترتبط فقط بيوم التصويت، وإنما بمجموع المراحل التي تسبق العملية الانتخابية وتواكبها وتعقبها، بدءاً من تسجيل الناخبين وإعداد اللوائح والدوائر، مروراً بالحملات الانتخابية وتمويلها، وصولاً إلى التصويت وفرز الأصوات وإعلان النتائج.

وفي السياق ذاته، برز موقف مؤسساتي يؤكد أن مسؤولية حماية نزاهة الانتخابات لا تقع على عاتق جهة واحدة، وإنما تتقاسمها مجموعة من المؤسسات والفاعلين، من الإدارة والقضاء وهيئات الرقابة المالية ومؤسسات الحكامة إلى المجتمع المدني والمواطنين أنفسهم.

وقد جرى التأكيد على أن النزاهة الانتخابية تقتضي مشاركة حرة وواعية ومسؤولة، يكون فيها اختيار الناخب قائماً على الاقتناع وليس على المقابل، وأن تكون المنافسة السياسية مبنية على البرامج والثقة، مع التصدي للممارسات التي يمكن أن تمس بحرية الاختيار أو تؤثر في إرادة المواطنين.

كما يبرز في هذا النقاش ملف حماية الموارد العمومية من أي استعمال لأغراض انتخابية، باعتبار أن تكافؤ الفرص بين المتنافسين يظل من الضمانات الأساسية لسلامة العملية الانتخابية. ويطرح ذلك أهمية الرقابة الفعالة وسرعة التعامل مع المخالفات، فضلاً عن تمكين المواطنين والفاعلين من آليات واضحة للتبليغ عن الممارسات التي قد تمس بنزاهة الانتخابات.

ولا تقتصر المخاوف الحقوقية والمؤسساتية على الممارسات التقليدية، إذ أصبح الفضاء الرقمي جزءاً أساسياً من الحياة الانتخابية، بعدما تحولت شبكات التواصل الاجتماعي إلى أدوات رئيسية للتواصل مع الناخبين ونشر البرامج والمواقف. وفي مقابل ما توفره هذه المنصات من إمكانات للمشاركة والوصول إلى المعلومات، تبرز تحديات مرتبطة بالمعلومات المضللة، واستعمال الوسائل الرقمية للتأثير على الناخبين، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير آليات للرصد والمواكبة بما يتلاءم مع التحولات التكنولوجية المتسارعة.

وفي ظل هذه التطورات، تتجه الدعوات الحقوقية والمؤسساتية إلى جعل المواطن محوراً للعملية الانتخابية، ليس فقط باعتباره ناخباً يدلي بصوته، وإنما باعتباره طرفاً فاعلاً في حماية نزاهة الاقتراع ومراقبة المسار الانتخابي في حدود ما يسمح به القانون.

وتكتسب هذه الدعوات أهمية خاصة مع اقتراب موعد 23 شتنبر، إذ تؤكد الهيئات المهتمة بنزاهة الانتخابات أن المشاركة المواطنة لا تنفصل عن معرفة الناخب بحقوقه وواجباته، والوعي بالممارسات التي يمكن أن تؤثر في قراره، فضلاً عن معرفة الآليات القانونية المتاحة للتبليغ عن المخالفات.

وفي هذا الإطار، تم إعداد دليل توعوي للناخبين حول الانتخابات النزيهة، يتضمن معلومات مبسطة حول الحقوق والواجبات والضمانات المرتبطة بممارسة الحق الانتخابي، إلى جانب التعريف ببعض الممارسات التي يمكن أن تمس بحرية الاختيار أو نزاهة العملية الانتخابية، وسبل التبليغ عنها.

وتلتقي مختلف هذه المواقف عند نقطة مركزية تتمثل في أن الثقة في المؤسسات المنتخبة تبدأ من الثقة في طريقة انتخابها. فكلما توفرت شروط المنافسة المتكافئة، ووضوح القواعد، وفعالية الرقابة، وسرعة إنفاذ القانون، كلما تعززت شرعية المؤسسات المنبثقة عن صناديق الاقتراع.

كما أن نزاهة الانتخابات لا تعني فقط منع الرشوة الانتخابية أو استعمال المال غير المشروع، وإنما تشمل أيضاً احترام القواعد المنظمة للحملات، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية حرية الناخب، وصون الموارد العمومية، وضمان عدم استغلال النفوذ أو وسائل الدولة في المنافسة السياسية.

وتدعو الهيئات الحقوقية والمدنية، في هذا السياق، إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها محطة مؤسساتية تتطلب تعبئة جماعية، يكون فيها المواطن والإدارة والقضاء والهيئات الرقابية والمجتمع المدني والإعلام مسؤولين، كل من موقعه، عن حماية سلامة المسار الانتخابي.

ومع اقتراب موعد الاقتراع، يبدو أن النقاش حول الانتخابات لا يقتصر على البرامج الانتخابية والتنافس بين المرشحين، بل يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمدى قدرة المسار الانتخابي على استعادة ثقة المواطنين وترسيخ المشاركة السياسية. وبين الدعوات الحقوقية إلى تحصين الإرادة الشعبية، والتأكيد المؤسساتي على المسؤولية المشتركة في حماية النزاهة، تبرز الحاجة إلى أن تمر الاستحقاقات في أجواء تحترم القانون وتضمن للناخب ممارسة حقه بعيداً عن أي تأثير غير مشروع، بما يعزز مكانة الانتخابات كآلية للتعبير عن الإرادة الشعبية وتجديد المؤسسات التمثيلية.

Exit mobile version