يشهد ملف الصحراء المغربية تحوّلاً لافتاً في المقاربة الأميركية، مع انتقال واشنطن من موقع الداعم السياسي لمبادرة الحكم الذاتي إلى موقع الفاعل الدبلوماسي الساعي إلى الدفع نحو تسوية نهائية للنزاع وفق المقاربة التي تقترحها الرباط.
ولا يندرج هذا التحرك الأميركي في إطار الوساطة التقليدية التي طبعت مسار الملف لسنوات، بل يعكس توجهاً سياسياً لإعادة رسم مسار التسوية وتحديد سقف تفاوضي واضح يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق.
ويعود هذا التحول في جزء منه إلى القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب سنة 2020، حين أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء. ومنذ ذلك التاريخ ظل الموقف الأميركي ثابتاً من حيث المبدأ، لكنه اتسم بدرجة من الحذر في مستوى التحرك الدبلوماسي.
أما اليوم، فتبدو واشنطن وقد انتقلت إلى مرحلة أكثر دينامية، واضعة ثقلها السياسي خلف خيار الحكم الذاتي باعتباره حلاً عملياً ينسجم مع التوجهات الدولية الداعية إلى تسوية سياسية واقعية، كما ورد في القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي شدد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي قائم على التوافق والواقعية.
ومن أبرز ملامح هذا التحول انتقال الملف تدريجياً من دائرة الرعاية الأممية البطيئة إلى اهتمام مباشر من الإدارة الأميركية. فبدلاً من الاكتفاء بدعم جهود الأمم المتحدة ومبعوثها الشخصي، بدأت واشنطن في بلورة دينامية تفاوضية خاصة تستند إلى نفوذها لدى مختلف الأطراف المعنية.
ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة داخل دوائر القرار الأميركي بأن استمرار النزاع لم يعد يخدم الاستقرار في منطقة تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، خاصة في فضاء شمال إفريقيا والساحل، حيث تتقاطع رهانات الأمن ومكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والطاقة.
وتنطلق المقاربة الأميركية الجديدة من فرضية أساسية مفادها أن مسار الاستفتاء لم يعد خياراً واقعياً، وأن المفاوضات المفتوحة دون أفق زمني واضح لم تعد قابلة للاستمرار. وبدلاً من ذلك، تسعى واشنطن إلى الدفع نحو اتفاق إطار يقوم على حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية، مع ضمانات دولية تتيح للسكان المحليين تدبير شؤونهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضمن مؤسسات منتخبة.
وبهذا المعنى، تتحول مبادرة الحكم الذاتي من مجرد مقترح سياسي إلى قاعدة تفاوض مركزية داخل النقاش الدولي حول مستقبل الإقليم.
ويستند هذا التحول أيضاً إلى معطيات ميدانية عززت موقع الرباط في الملف. فقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ حضوره الدبلوماسي والاقتصادي في الأقاليم الجنوبية، حيث ارتفع عدد القنصليات الأجنبية في مدينتي العيون والداخلة إلى أكثر من ثلاثين تمثيلية، في مؤشر على تزايد الاعتراف الدولي بالواقع الجديد في المنطقة.
كما أطلقت المملكة مشاريع بنية تحتية كبرى، من بينها الطريق السريع الرابط بين تيزنيت والداخلة ومشروع ميناء الداخلة الأطلسي، إضافة إلى استثمارات واسعة في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وهو ما جعل المنطقة تتحول تدريجياً إلى قطب اقتصادي صاعد على الواجهة الأطلسية للقارة الإفريقية.
ومن منظور استراتيجي أوسع، ترى واشنطن أن استقرار الصحراء تحت السيادة المغربية قد يشكل ركيزة لتعزيز الاستثمارات وربط الأسواق الإفريقية بالمحيط الأطلسي، إلى جانب دعم مشاريع الطاقة النظيفة التي تكتسب أهمية متزايدة في الحسابات الجيوسياسية العالمية.
وفي المقابل، تشير بعض المعطيات إلى أن الإدارة الأميركية تمارس ضغوطاً دبلوماسية محسوبة على الأطراف الرافضة للمسار الجديد، في محاولة لتقليص هامش المناورة وإعادة توجيه المفاوضات نحو تسوية عملية قابلة للتنفيذ.
غير أن هذا التوجه لا يعني بالضرورة فرض تسوية أحادية بقدر ما يعكس سعياً لإعادة تشكيل توازن القوى داخل الملف، بما يسمح بإنتاج اتفاق يحظى بدعم دولي وإقليمي كافٍ لضمان استمراريته.
وبينما لا تزال تفاصيل المرحلة المقبلة قيد التفاوض، فإن المؤشرات العامة توحي بأن واشنطن باتت أكثر انخراطاً في الدفع نحو تسوية النزاع، واضعة ثقلها خلف المقاربة المغربية، في خطوة قد تجعل المرحلة الحالية محطة مفصلية في مسار نزاع إقليمي امتد لعقود طويلة.

