في وقت تتصاعد فيه التوترات بين موسكو والغرب، تتجه أوروبا بخطى متسارعة نحو إعادة تشكيل فلسفتها الأمنية والدفاعية، في مشهد يعيد إلى الأذهان التحولات العميقة التي سبقت اندلاع الحروب الكبرى خلال القرن العشرين. فالسياسات التي تعلنها اليوم دول مثل فرنسا وألمانيا وهولندا لم تعد مجرد إجراءات ظرفية، بل باتت تعبيراً عن قلق بنيوي من مستقبل غامض، واحتمال تكرار سيناريوهات صدامية على غرار ما حدث بين 1914 و1945.
فرنسا تعود إلى الخدمة العسكرية… ورسالة ماكرون واضحة
لم يكن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الخميس، إطلاق خدمة عسكرية طوعية للشباب بين 18 و19 سنة ابتداءً من منتصف 2026 خطوة عادية. فالبلد الذي يمتلك أقوى جيش داخل الاتحاد الأوروبي وعضواً نووياً في “الناتو” لا يقدم على هذه التحركات إلا في ظل تحوّل كبير في تقدير المخاطر.
ووفق ماكرون، فإن الخدمة ستكون داخل الأراضي الفرنسية فقط، وتهدف إلى تعزيز المهارات الوطنية ورفع جاهزية الشباب لمواجهة أي أزمات محتملة، في ظل “بيئة دولية تتغير بسرعة وتفرض مسؤوليات جديدة على الجيل الصاعد”.
ألمانيا… مشروع لبناء أقوى جيش أوروبي بحلول 2035
على الجانب الآخر، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس عن مشروع شامل لإعادة تشكيل الجيش الألماني، ليصبح الأقوى أوروبياً خلال العقد المقبل.
الخطط تشمل:
•رفع عدد الجنود إلى 260 ألفاً
•توفير 200 ألف جندي احتياطي
•منح حوافز مالية تصل إلى 2600 يورو شهرياً للمجندين
هذه التحركات تُقرأ في برلين باعتبارها رداً مباشراً على “تراجع المظلة الأمنية الأمريكية” وتنامي النفوذ الروسي.
هولندا تعبّئ المجتمع… و8.5 ملايين منزل يتوصل بكتيّب الطوارئ
وفي مشهد مختلف، لجأت هولندا إلى استراتيجية مدنية خالصة. فقد وزعت الحكومة خلال الأسبوع الماضي كتيبات على 8.5 ملايين منزل، تتضمن:
•لائحة بالمواد الضرورية للتخزين
•ستة لترات ماء لكل فرد
•أدوية أساسية
•مصابيح تعمل بالبطاريات
•راديو صغير
•إرشادات لمواجهة هجمات سيبرانية أو أزمات جيوسياسية
الخطوة تعكس عقيدة “الاكتفاء الذاتي” التي تعود إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين كان المدنيون جزءاً من منظومة الاستعداد العسكري الشامل.
تشابه مقلق مع بدايات القرن الماضي
يعتمد المسار الأوروبي الجديد على عنصرين أساسيين لطالما كانا مؤشرين على احتدام التوترات في التاريخ:
1.تعزيز الجيوش وتوسيع الخدمة العسكرية كما حدث في ألمانيا وفرنسا وروسيا عام 1914.
2.تنظيم المجتمعات على أساس تعبئة وطنية، وهو ما يظهر اليوم في برامج الطوارئ الهولندية ونقاشات الاستعداد المدني في عدة دول أخرى.
ومع أن أوروبا تقول إن هدفها “الردع”، إلا أن حجم التحضيرات يشي بأن صناع القرار يتعاملون مع المستقبل على أساس احتمال حدوث مواجهة عسكرية خلال السنوات المقبلة.
روسيا تنفي… ولكن القلق يتسع
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد استعداد بلاده لتقديم ضمانات مكتوبة بأنها لا تنوي غزو أوروبا.
لكن تصريحات قادة الجيوش الأوروبية—ومن بينهم رئيس أركان الجيش الألماني—تحذر من أن السنوات الأربع القادمة ستكون “حاسمة” لاختبار قدرة القارة على مواجهة أي تهديد مباشر.
ولذلك، تتسابق الحكومات الأوروبية نحو رفع الإنتاج الدفاعي، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وإعادة بناء منظومات التجنيد والجاهزية.

