كشفت مؤشرات سياسية، أن إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن مجرد “انسحاب طوعي” كما رُوّج له. ما جرى أقرب إلى طرد هادئ لرئيس الحكومة من قيادة حزبه، بواجهة دبلوماسية ولغة ناعمة تخفي قراراً فُرض في الكواليس قبل أن يُعلن في العلن. فالرجل لم يغادر لأنه “اكتفى بعشر سنوات”، بل لأن الحزب أو ما تبقى من توازناته الداخلية لم يعد راغباً في استمرار الجمع بين رئاسة الحكومة ورئاسة التنظيم في لحظة سياسية حرجة تتآكل فيها الشعبية وتتصاعد فيها الانتقادات.
و ترى القراءة الساذجة في القرار نموذجاً للتداول الديمقراطي. أما القراءة السياسية الواقعية فتلتقط مؤشرات الإخراج القسري: توقيت الإعلان قبل المؤتمر، الإصرار على إغلاق باب تعديل النظام الداخلي، والتسويق المكثف لفكرة “عدم الخلود في الكرسي”. كلها عناصر توحي بأن الانسحاب كان مخرجاً مُهذّباً لأزمة داخلية، لا مبادرة أخلاقية خالصة.
أخنوش، الذي أعاد هندسة الحزب وقاده إلى صدارة انتخابات 2021، يجد نفسه اليوم عبئاً سياسياً على التنظيم. رئاسة الحكومة لم تعد رصيداً انتخابياً، بل تحوّلت إلى كلفة ثقيلة في ظل الغلاء، الاحتقان الاجتماعي، وتراجع الثقة. الحزب الذي بُني على صورة “الكفاءة والتدبير” صار مضطراً إلى فك الارتباط الرمزي مع عنوان المرحلة المتعثرة. هكذا، اختار “التجمع” أن ينجو بنفسه، وأن يقدّم رأس زعيمه التنظيمي قرباناً لاستعادة الأكسجين السياسي.
ويتضح، ان اللغة التي استعملت لتبرير الخروج تخفي أكثر مما تُظهر. حين يقول أخنوش “لا داعي لأن أكون خالداً”، فهو لا يعلن فضيلة، بل يغلف نهاية فرضتها موازين جديدة داخل الحزب وخارجه. وحين يُغلق باب تعديل القوانين الداخلية، فذلك ليس انتصاراً للديمقراطية بقدر ما هو تأكيد على أن القرار اتُّخذ سلفاً، وأن المطلوب هو إخراج مشهد انتقال بلا ضجيج ولا انقسام.
و تظهر المعطيات، ان ما وقع ليس تداولاً طبيعياً، بل عملية فصلٍ بطيئة بين الحزب ورئيس الحكومة. فـ“الحمامة” تريد دخول المؤتمر بوجه جديد، نظيف من أثقال التدبير الحكومي، وقادر على خوض الاستحقاقات المقبلة دون أن يُستنزف يومياً بأسئلة الغلاء والبطالة والوعود المؤجلة. بهذا المعنى، التجمع لا يودّع زعيماً، بل يبعد عبئاً.
و تبين ان نهاية أخنوش هنا ليست إدارية، بل سياسية. الرجل سيبقى في رئاسة الحكومة بحكم الدستور، لكنه خرج من مركز القرار الحزبي، أي من المنصة التي تصنع المستقبل. فقد الحزب رهانه عليه، وبدأ البحث عن وجه آخر يُعاد به تسويق المشروع. إنها نهاية ناعمة، بلا بلاغات صدامية ولا مؤتمرات عاصفة، لكنها نهاية مع ذلك.
و حمل الاعلان الرسالة العميقة هي أن الحزب اختار البقاء على حساب زعيمه. وأن “الانسحاب الطوعي” لم يكن سوى اسم مهذّب لطرد غير معلن. وفي السياسة، حين يُطلب منك أن “تغادر بهدوء”، فذلك يعني أن زمنك انتهى، وأن المسرح يُعاد ترتيبه دونك.

