لا يمرّ رأس السنة الأمازيغية، الذي يوافق الرابع عشر من يناير من كل عام، مرورًا عابرًا في مختلف مناطق المغرب، ولا سيما في القرى والمجالات الجبلية، حيث يظل مناسبة ذات حمولة رمزية عميقة، تعكس العلاقة التاريخية بين الإنسان المغربي والأرض، وتستحضر الذاكرة الجماعية المرتبطة بالهوية الأمازيغية.
ويحمل “إيض يناير” إرثًا ثقافيًا راكمته قرون من التجربة الفلاحية والتعايش مع تقلبات الطبيعة، ليغدو الاحتفال بالسنة الفلاحية الجديدة لحظة جامعة بين التفاؤل والحذر. فالمطر والحبوب والأرض تشكّل عناصر مركزية في المخيال الشعبي، بينما تتحول الطقوس الاحتفالية إلى تعبير جماعي عن الأمل في عام خصب، خالٍ من النحس والشرور.
ورغم وحدة المناسبة، تتباين أشكال الاحتفال من مجال ترابي إلى آخر، في دلالة على غنى الثقافة الأمازيغية وتعدد تجلياتها داخل المغرب. فمن سوس إلى الأطلس، ومن الريف إلى الجنوب، تتعدد التسميات والطقوس، غير أن المعنى يظل واحدًا: الاحتفاء بالسنة الفلاحية وتجديد الانتماء إلى الهوية الأمازيغية، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الأجيال.
احتفاء بالأرض والهوية
في منطقة سوس ماسة، لا سيما في مدن أكادير وتيزنيت وتارودانت، تحضر السنة الأمازيغية بطقوس خاصة، تبدأ التحضيرات لها أيامًا قبل حلولها. وتحرص الأسر على إعداد أطباق تقليدية تعكس الارتباط بالأرض، من الكسكس بالخضر، إلى عصيدة “تاكلا”، إضافة إلى الفواكه المجففة، و”آملو”، والعسل والبيض، التي تتصدر المائدة السوسية.
وتُعد “تاكلا” من أبرز رموز هذا الاحتفال، إذ تُحضّر من دقيق الشعير أو الذرة، وتُزيَّن بزيت الأركان أو العسل، في استحضار لمخزون الغذاء المتوفر قبل موسم الحصاد. وداخل الطبق الرئيسي تُخفى نواة تمر، يُعتقد أن من يعثر عليها يكون “محظوظ السنة”.
ولا تكتمل أجواء “إيض يناير” دون الموسيقى والأهازيج الأمازيغية، ورقصة “أحواش” الجماعية التي تعم البيوت والساحات، حيث يرتدي الرجال والنساء أزياءهم التقليدية احتفاءً بالهوية، بينما يشارك الأطفال في الطقوس الرمزية، بما يعزز انتقال الذاكرة الثقافية بين الأجيال.
ويحرص سكان سوس على أن تمر ليلة رأس السنة في أجواء من الانسجام العائلي، انطلاقًا من اعتقاد راسخ بأن بدايات العام ترسم ملامح أيامه اللاحقة. لذلك تُسوّى الخلافات، وتُطوى الخصومات، ويجتمع أفراد الأسرة حول مائدة واحدة، في تجسيد لقيم التضامن والتآزر التي تميز المجتمع الأمازيغي.
ومع مرور الزمن، تجاوز الاحتفال الإطار العائلي، ليأخذ طابعًا جماعيًا أوسع، من خلال تنظيم فعاليات ثقافية وتربوية تشرف عليها جمعيات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية، خصوصًا في أكادير وتيزنيت ومختلف مناطق سوس، حيث تُنظم عروض فنية، وأمسيات تراثية، ومعارض تعكس الاعتزاز بالهوية الأمازيغية.
“الحاكوز” في الريف… طقوس وذاكرة
في منطقة الريف، يُعرف رأس السنة الأمازيغية باسم “الحاكوز”، وتتخذ طقوس الاحتفال أشكالًا متنوعة تختلف باختلاف القبائل. ففي قبيلة زرقت، التابعة لإقليم الحسيمة، تمتد الاحتفالات لثلاثة أيام، يُمنع خلالها طهي القطاني، ويُحضّر طبق خاص من اللوز والجوز والزبيب والتين المجفف، فيما تتصدر بعض الوجبات المحلية مائدة الاحتفال.
أما قبيلة آيت سداث، فتشتهر بفطيرة “تانكولت” المخصصة للأطفال، حيث يُوضع جزء منها تحت الوسائد، وفق اعتقاد شعبي بأن “لالة الحاكوزة” ستتقاسم الفطيرة مع الأطفال، لتجلب لهم الحظ والبركة طوال العام، في طقس رمزي يقارب تقليد نواة التمر في سوس.
وتتواصل الطقوس في اليوم التالي بتحضير أكلات خاصة، مثل “الدشيشة” بالفول والفواكه الجافة، بينما تخصص بعض القبائل، كآيت بونصار من صنهاجة السراير، هذا اليوم كعطلة للنساء، حيث يمتنعن عن أعمال البيت والفلاحة، ويشاركن في الأجواء الاحتفالية.
وتحافظ قبائل أخرى، من بينها كتامة وتاغزوت وآيت بشير، على تقاليد غذائية ورمزية خاصة، تترافق مع تبادل التهاني بعبارات مثل “أسكاس ذاميمون” و”أسكاس أماينو”، في تعبير عن الفرح الجماعي والأمل في عام جديد موفور الخير.
الأطلس المتوسط… القبيلة في قلب الاحتفال
في الأطلس المتوسط، ولا سيما بإقليمي خنيفرة وميدلت، يكتسي “إيض يناير” طابعًا جماعيًا بارزًا، حيث تتحول ليلة الثالث عشر من يناير إلى موعد جامع، يعكس ارتباط السكان بالأرض والقبيلة والذاكرة المشتركة.
وتجتمع الأسر تحت إشراف رموز تقليدية محلية، لإعداد وجبات مثل الكسكس والعصيدة، إلى جانب تشتيت الحبوب والفواكه المجففة في الحقول والمخازن، في طقس رمزي يهدف إلى استجلاب الوفرة خلال السنة الجديدة. وكما في مناطق أخرى، تُخفى حبة تمر أو لوز داخل الأطباق، تفاؤلًا بمن يعثر عليها.
ولا يقتصر الاحتفال على الإطار العائلي، بل يمتد إلى الساحات العمومية، حيث تُنظم سهرات فنية وأمسيات تراثية، تقدم خلالها فرق محلية أهازيج ورقصات جبلية تعكس غنى الموروث الثقافي للمنطقة.
ومع ترسيم رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية، يكتسب هذا الموعد بعدًا وطنيًا جديدًا، يتجاوز الطقس المحلي، ليغدو مناسبة لإعادة الاعتبار للتراث اللامادي، وتعزيز حضور الثقافة الأمازيغية في الفضاء العام، بوصفها رافدًا أساسيًا من روافد الهوية المغربية الجامعة.

