قرار الحكمة الدولية بشرى كروبي اعتزال التحكيم بعد 25 سنة من المسار ليس حدثًا رياضيًا عاديًا، بل هو مؤشر على أزمة أعمق في علاقة الحكام بالمؤسسات التقنية التي يشرف بعضها على تنظيم هذا القطاع. فحين تختار حكمة وصلت إلى أعلى درجات التمثيل الدولي أن تغادر محتجة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس: لماذا اعتزلت؟ بل: ماذا يحدث داخل التحكيم المغربي؟
رسالة كروبي جاءت بكلمات موزونة، لكنها لم تُخفِ مرارتها من المعاملة التي قالت إنها تلقتها من المديرية التقنية الوطنية للتحكيم. هذا التوازن بين الامتنان لرئيس الجامعة والاحتجاج على المديرية التقنية يكشف عن شكل من أشكال الاضطراب الداخلي:
منظومة فيها دعم رسمي من الأعلى، لكن بها حلقات داخلية لا تعمل بالقدر نفسه من الاحترام أو الاحترافية.
وبين سطور رسالتها يظهر بوضوح أن الاعتزال لم يكن قرارًا رياضيًا، بل موقفًا إداريًا يعبّر عن عدم رضا وصل حدّ الانسحاب.
على مدار السنوات الأخيرة، أثبتت الأزمات المتكررة للتحكيم أن المشكلة ليست دائمًا تقنية أو مرتبطة بأخطاء الحكام داخل الملعب، بل بإدارة هذا القطاع.
فعدم التواصل، وغياب رؤية موحدة، والصراعات الداخلية، عوامل تجعل الحكم يشتغل في بيئة غير مستقرة.
وإذا كانت كروبي — بخبرتها الدولية التي تتجاوز عقدين — قد شعرت بأن مشاريعها “أُجهضت”، فهذا يكشف خللًا مؤسسيًا لا يمكن تجاهله.
هذه ليست حالة فردية، بل نموذج يُعيد طرح السؤال القديم الجديد: هل تمتلك المديرية التقنية للتحكيم القدرة على صون كرامة الحكام وتطويرهم أم أنها تتحول أحيانًا إلى عبء عليهم؟
لا يمكن فصل اعتزال كروبي عن رمزية حضور المرأة في التحكيم. فقد كانت واحدة من الأسماء التي فتحت الباب لنساء مغربيات للوصول إلى الساحة الدولية.
اعتزالها بهذه الطريقة يعني فقدان صوت كان قادرًا على تكوين جيل جديد من الحكَمات، وعلى نقل تجربة نادرة، وعلى تمثيل المغرب في محافل تُكتسب فيها الخبرة بالسنوات.
الرسالة التي وجهتها كروبي تضع الجامعة أمام امتحان جديد:
هل يتم فتح تحقيق داخلي لمعرفة الأسباب الحقيقية لهذا الاحتقان؟
هل تُستثمر اللحظة لإعادة هيكلة المديرية التقنية؟
أم سيتم التعامل مع الاعتزال كخبر عابر يمضي مع مرور الوقت؟
إن صمت الجامعة أو التأخر في التفاعل سيبعث برسالة سلبية، ليس فقط للحكام بل للمنظومة الرياضية ككل.
اعتزال بشرى كروبي ليس نهاية مسيرة بقدر ما هو إعلان عن بداية نقاش ضروري.
إنه تذكير بأن التحكيم لا يتطور بالندوات ولا بالبروتوكولات، بل بالتقدير والإنصات واحترام التجارب.
وإذا كانت كروبي قد غادرت لأنها لم تجد مكانًا داخل منظومة كان يفترض أن تحميها، فربما آن الأوان لطرح السؤال الصريح:
هل يحتاج التحكيم المغربي إلى إصلاح تقني… أم إلى إصلاح إداري قبل كل شيء؟

