عاد ملف تمويل الأحزاب السياسية ليطفو مجددًا على سطح النقاش العمومي، بعدما دعا المجلس الأعلى للحسابات، على لسان رئيسه الأول زينب العدوي، 14 حزبًا سياسيًا إلى إرجاع ما مجموعه 21.85 مليون درهم إلى خزينة الدولة، وهي مبالغ من الدعم العمومي لم يتم تبرير صرفها أو إثبات استعمالها وفق الضوابط القانونية المعمول بها. خطوة تعيد إلى الواجهة سؤال الشفافية وربط الدعم العمومي بالمحاسبة، في سياق تتزايد فيه مطالب استعادة ثقة المواطن المغربي في العملية الانتخابية والمؤسسات الحزبية.
العدوي، التي كانت تقدم عرضًا أمام مجلسي البرلمان، شددت على أن هذه الدعوة لا تخرج عن الصلاحيات الدستورية للمجلس، الذي سبق له أن نشر، في ماي 2025، تقريرًا مفصلًا حول تدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي لسنة 2023. غير أن الأهم، وفق المعطيات الجديدة، هو أن مسلسل التتبع كشف عن استمرار اختلالات مالية رغم عمليات الإرجاع التي قامت بها أحزاب أخرى.
فإلى حدود متم يناير 2026، تمكن 24 حزبًا سياسيًا من إرجاع ما مجموعه 36.03 مليون درهم، وهو ما يعكس، من جهة، فعالية آليات المراقبة، ومن جهة ثانية، حجم الاختلالات التي راكمتها بعض التنظيمات السياسية في تدبير المال العام. في المقابل، لا تزال 14 حزبًا متأخرة عن تسوية وضعيتها المالية، ما دفع المجلس إلى حث وزارة الداخلية على دعوة هذه الأحزاب إلى إرجاع المبالغ التي بذمتها.
ولا تكتسي هذه الأرقام دلالة مالية فقط، بل تحمل في طياتها بعدًا سياسيًا وأخلاقيًا، إذ يتعلق الأمر بأموال عمومية موجهة، أساسًا، إلى تأطير المواطن، وتنشيط الحياة السياسية، وضمان تنافس انتخابي نزيه. وعندما يعجز جزء من الفاعلين الحزبيين عن تبرير صرف هذه الموارد، فإن ذلك يكرس صورة سلبية عن العمل الحزبي، ويغذي منسوب العزوف والشك لدى فئات واسعة من الناخبين.
في المقابل، حرصت العدوي على إبراز أن المجلس واصل عمله الرقابي، حيث قام بتدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية برسم سنة 2024، وأعد تقريرًا جديدًا سيتم نشره فور الانتهاء من مسطرة التداول بشأنه، في إشارة واضحة إلى أن الرقابة ليست ظرفية، بل عملية مستمرة وممنهجة.
ويكتسي هذا المسار الرقابي أهمية خاصة في ظل التقييم الدولي الذي حظي به المغرب، بعدما حصل على التصنيف الكامل (7/7) ضمن منهجية منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، إلى جانب ثلاث دول فقط، في ما يخص آليات مراقبة تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية. غير أن هذا التميز الخارجي يصطدم، داخليًا، باستمرار اختلالات تفرض مضاعفة الجهود، ليس فقط على مستوى المراقبة، بل أيضًا على مستوى التأهيل الداخلي للأحزاب.
وفي هذا السياق، شددت رئيسة المجلس الأعلى للحسابات على ضرورة تقوية القدرات الإدارية والمالية والمحاسبية للأحزاب السياسية، معتبرة أن استرجاع مبالغ الدعم غير المستحقة أو غير المستعملة أو غير المبررة يظل شرطًا أساسيًا لترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة.
كما نوه المجلس بالتعديلات المضمنة في مشروعي القانونين التنظيميين المتعلقين بالأحزاب السياسية وبمجلس النواب، والتي أخذت بعين الاعتبار توصيات المجلس الرامية إلى تعزيز مراقبة مصادر التمويل وضمان مشروعيتها. وهي تعديلات، إن تم تفعيلها بصرامة، قد تشكل خطوة إضافية نحو إعادة الاعتبار للعمل الحزبي وربط الدعم العمومي بالنجاعة والالتزام بالقانون.
في المحصلة، لا تبدو دعوة المجلس الأعلى للحسابات مجرد إجراء محاسباتي، بقدر ما هي رسالة سياسية واضحة: المال العام ليس امتيازًا دائمًا، والدعم العمومي ليس حقًا مكتسبًا دون مساءلة. فإما أن تنجح الأحزاب في إصلاح أعطابها الداخلية واستعادة ثقة المواطن، أو تستمر الهوة في الاتساع بين الشارع والمؤسسات المنتخبة، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية وديمقراطية باهظة.

