Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

الاحتجاجات تفضح تشتت الأغلبية الحكومية

تعيش الأغلبية الحكومية في المغرب واحدة من أصعب مراحلها منذ تشكيلها، إذ باتت مظاهر التصدع والتنافر بين مكوناتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، سواء في المواقف السياسية أو في الخطاب الإعلامي. ومع تصاعد موجة الاحتجاجات الشبابية التي تجتاح الشارع المغربي رفضًا للأوضاع الاجتماعية المتدهورة، يجد الرأي العام نفسه أمام حكومة تبدو عاجزة عن تقديم إجابات موحدة أو تحمل مسؤولية جماعية، بعدما تحوّل كل وزير إلى مدافع عن حزبه ومتنصل من قرارات فريقه الحكومي.

منذ أسابيع، تصاعدت حدة الخطاب السياسي بين قيادات أحزاب الأغلبية الثلاثة: التجمع الوطني للأحرار، الاستقلال، والأصالة والمعاصرة. ولم تعد الخلافات مجرد تباينات في وجهات النظر داخل الكواليس، بل خرجت إلى العلن عبر تصريحات وخرجات إعلامية متناقضة، كشفت عمق التصدع داخل التحالف الحكومي. فقد بدا الوزير نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، أكثر انتقادًا لسياسات الحكومة في مجالات اجتماعية حساسة، في محاولة للتمايز عن الأداء العام، بينما أظهرت فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، مواقف دفاعية حادة عن قطاعها الوزاري، لكنها في الوقت نفسه وجّهت رسائل ضمنية تعكس تحفظها على أسلوب التدبير الحكومي. أما مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، فقد تبنى خطابًا تبريريًا يضع الحزب الذي يقود الحكومة في موقع الضحية أمام “شركاء لا يتحملون مسؤوليتهم السياسية”.

هذا التناقض العلني في المواقف يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة التحالف الحكومي، الذي يُفترض أنه قائم على الانسجام والتضامن في القرار والتوجه. غير أن الواقع يكشف تحالفًا هشًّا، يجمع بين أطراف لها أولويات متناقضة ومصالح حزبية ضيقة تطغى على روح العمل الجماعي. فكل طرف يسعى إلى حماية صورته استعدادًا للانتخابات المقبلة، محاولًا إقناع الناخبين بأنه “موجود داخل الحكومة دون أن يكون مسؤولًا عن إخفاقاتها”.

في المقابل، تتزايد حدة الغضب الشعبي، خصوصًا في صفوف الشباب، الذين خرجوا في احتجاجات متفرقة خلال الأسابيع الماضية للتنديد بالبطالة، وغلاء المعيشة، وتراجع الخدمات العمومية. هؤلاء الشباب عبّروا عن فقدانهم للثقة في حكومة تُرفع فيها شعارات التنمية والاستثمار، بينما يزداد الشعور بالتهميش والإقصاء. ويعتبر الكثير من المحتجين أن الحكومة الحالية لا تمتلك رؤية موحدة ولا إرادة سياسية حقيقية للإصلاح، بل إنها منشغلة بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها بمشاكل المواطنين.

ويرى مراقبون أن تصدّع الأغلبية ليس مجرد خلافات عابرة، بل يعكس فشلًا بنيويًا في إدارة التحالف السياسي، حيث تحوّل مجلس الحكومة إلى فضاء لتبادل المواقف الحزبية بدل مناقشة السياسات العمومية بشكل استراتيجي. كما أن غياب الانسجام بين الوزراء بات يؤثر مباشرة على فعالية العمل التنفيذي، ويُضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

إن تشتت الأغلبية الحكومية اليوم يبعث برسالة سلبية للرأي العام، مفادها أن التحالف الذي شُكِّل على أساس التوازن العددي في البرلمان يفتقر إلى الحد الأدنى من الانسجام السياسي. ومع تزايد الاحتجاجات الشبابية، يجد قادة الأحزاب أنفسهم أمام امتحان حقيقي: إما إعادة بناء الثقة داخل الأغلبية عبر حوار صريح ومسؤول، أو مواجهة السقوط التدريجي لحكومة تفقد كل يوم جزءًا من مشروعيتها ومصداقيتها أمام الشارع.

بهذا المشهد المربك، تبدو حكومة عزيز أخنوش وكأنها تسير بلا بوصلة، بين وزراء يختلفون أكثر مما يتفقون، وشارع يغلي مطالبة بالتغيير، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى وحدة قرار وجرأة إصلاح، لا إلى حكومة تتناحر أجنحتها في العلن بينما الأزمات تتفاقم بصمت.

Exit mobile version