أعادت انتخابات 23 شتنبر 2026 رسم العلاقة بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب العدالة والتنمية إلى واجهة النقاش السياسي، بعدما وجد الحزبان نفسيهما، وفق النتائج الأولية المتداولة، في موقع متقدم بعد إغلاق صناديق الاقتراع، في مشهد يفتح الباب أمام سؤال ظل لسنوات يبدو صعبا: هل يمكن أن ينتقل «البام» و«البيجيدي» من مربع الخصومة السياسية إلى مربع التحالف الحكومي؟
السؤال لا يستند إلى إعلان رسمي عن تحالف بين الحزبين، ولا يعني أن اتفاقا سياسيا قد تم بالفعل، وإنما تفرضه طبيعة المرحلة التي دخلها المغرب بعد انتخابات 23 شتنبر، خصوصا أن تشكيل الحكومة المقبلة سيكون مرتبطا بنتائج الانتخابات وبالقدرة على بناء أغلبية برلمانية. وينص الفصل 47 من الدستور على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، بينما تحتاج الحكومة إلى أغلبية برلمانية لا تقل عن 198 مقعدا لضمان الأغلبية داخل المجلس.
وتكتسب فرضية التقارب بين «البام» و«البيجيدي» أهمية أكبر بالنظر إلى أن الخطاب السياسي خلال الحملة الانتخابية لم يغلق الباب بشكل صريح أمام إمكانات التحالف بين الطرفين، بخلاف ما عرفته محطات انتخابية سابقة. وقد رصدت تقارير إعلامية قبل الاقتراع تراجعا في حدة «الخطوط الحمراء» التي طبعت العلاقة بين الحزبين في مراحل سابقة، مع إبقاء مسألة التحالفات إلى ما بعد ظهور النتائج.
لكن المفارقة السياسية تكمن في أن «البام» و«البيجيدي» دخلا انتخابات 2026 من موقعين متباعدين في الخطاب والممارسة. فقد كان عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، من أبرز المنتقدين لحزب الأصالة والمعاصرة خلال الحملة، وسبق له أن وجه انتقادات حادة للحزب وبرنامجه السياسي. كما شهدت الحملة مواجهة سياسية حول عدد من الملفات والمواقف، بما في ذلك مواقف شخصيات مرتبطة بـ«البام».
غير أن السياسة لا تتحرك دائما وفق منطق الخصومة الانتخابية. فالحزب الذي ينافس اليوم قد يصبح غدا شريكا في الحكومة إذا فرضت الخريطة البرلمانية ذلك. وهذا ما يجعل نتائج 23 شتنبر نقطة تحول محتملة في علاقة الحزبين، خصوصا إذا أفرزت صناديق الاقتراع توازنا في المقاعد يجعلهما قادرين، منفردين أو مجتمعين مع أحزاب أخرى، على المساهمة في تشكيل أغلبية حكومية.
وتكشف بعض النتائج الأولية عن تقاطع انتخابي لافت بين الحزبين. ففي دائرة المحيط بالرباط، وبعد فرز 68 في المائة من الأصوات، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة، متبوعا بالعدالة والتنمية، وفق المعطيات المنشورة مساء الاقتراع. وفي دائرة المضيق-الفنيدق، أظهرت النتائج الأولية بدورها تقدم مرشح «البام» متبوعا بمرشح «البيجيدي»، مع تنافس الحزبين على المقعدين المخصصين للدائرة.
هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود تحالف انتخابي، لكنها تقدم صورة عن عودة الحزبين إلى مواقع متقدمة في عدد من الدوائر، وهو ما قد يجعل حضورهما في معادلة تشكيل الحكومة المقبلة أكثر أهمية، بحسب الحصيلة النهائية.
واللافت أن العلاقة بين الحزبين ليست خالية من سوابق التعاون. فقد سبق أن عرف «البام» و«البيجيدي» تحالفات على المستوى الترابي، بما في ذلك مجالس جماعية وجهوية، وهو ما أظهر أن الخصومة السياسية على المستوى الوطني لا تمنع بالضرورة التعاون عندما تفرض الخريطة المحلية أو الجهوية ترتيبات مختلفة.
غير أن الانتقال من التحالف المحلي إلى التحالف الحكومي يظل أكثر تعقيدا. فهناك ملفات سياسية وإيديولوجية وقضايا اجتماعية واقتصادية يمكن أن تفرض تفاوضا شاقا بين الطرفين. كما أن موقع كل حزب داخل الحكومة المقبلة، وشخصية رئيسها، وطبيعة البرنامج الحكومي، وتوزيع الحقائب، كلها عناصر ستحدد مدى قابلية أي تقارب للتحول إلى اتفاق سياسي فعلي.
ومن جهة أخرى، فإن المشهد الحزبي بعد 23 شتنبر لن يتحدد فقط بالعلاقة بين «البام» و«البيجيدي». فقد أفرزت الانتخابات تنافسا بين 27 حزبا على 395 مقعدا، فيما بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.02 في المائة، وفقا للمعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية. وبالتالي فإن أي أغلبية مقبلة ستحتاج إلى قراءة شاملة لخريطة المقاعد، وليس فقط إلى ترتيب حزبين أو ثلاثة في النتائج.
وفي هذه المرحلة، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس هل أصبح «البام» و«البيجيدي» حليفين، بل هل تسمح خريطة البرلمان التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر بفتح صفحة سياسية جديدة بينهما؟
فالانتخابات تنهي مرحلة المنافسة على الأصوات، لكنها تفتح مرحلة أخرى أكثر تعقيدا: مرحلة التفاوض على الأغلبية. وإذا أظهرت النتائج النهائية أن الحزبين يملكان وزنا برلمانيا مهما، فإن العلاقة بينهما ستتحول من مجرد خصومة انتخابية إلى أحد الملفات التي ستفرض نفسها على طاولة المشاورات السياسية.
وبذلك قد يكون اقتراع 23 شتنبر قد وضع الحزبين أمام اختبار مختلف تماما عن اختبارات الماضي: هل تستمر الخصومة عندما تنتهي الحملة الانتخابية، أم أن منطق الأغلبية الحكومية سيفرض لغة جديدة تقوم على التفاوض والتوافق؟ الجواب لن تحدده التصريحات وحدها، وإنما ستحدده أرقام المقاعد، وموازين القوى، والبرنامج الذي ستبنى عليه الحكومة المقبلة.

