في الصيف، تصبح شقتي في قلب العاصمة بمثابة فرن. تقع الشقة في الطابق الثالث، وتتصاعد الحرارة من الجدران لتنتشر في الغرفة عبر المروحة، لتبقى درجة الحرارة خانقة حتى بعد غروب الشمس. اكتشفت أن جيراني اعتادوا النوم في الباحات المفتوحة، فاتبعتهم وبدأت أضع فراشي على سطح البناية.
النوم في الهواء الطلق ليس فكرة جديدة؛ فقد أخبرني والدي أنه أثناء نشأته في إيران، كان هو وإخوته ينقلون فراشهم إلى السطح لتجنب حرارة الصيف، قبل أن يستبدلوا ذلك بالمكيفات بعد انتقالهم إلى منازل حديثة.
اليوم، رغم فعالية مكيف الهواء في التبريد، إلا أنه يمثل عبئًا بيئيًا هائلًا. وفق وكالة الطاقة الدولية، تستخدم الأبنية أكثر من نصف الكهرباء في العالم، ويذهب 20% من استهلاك الطاقة فقط لتبريد الهواء، بينما تسببت مكيفات الهواء العام الماضي في إطلاق نحو 1 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون، أي أن التقنية المبتكرة لتبريدنا تسهم في زيادة حرارة كوكبنا.
كما يقول ألان شورت، أستاذ هندسة العمارة بجامعة كمبريدج، فإن مكيفات الهواء غيّرت دور المعماريين، حيث أصبح مهندس التكييف هو من يقرر كيفية تعامل المبنى مع البيئة، بدلًا من المعماري نفسه.
مع تصاعد موجات الحر حول العالم، أصبح البحث عن حلول معمارية بديلة أمرًا ملحًا. الصيف الحالي شهد درجات حرارة قياسية في الشرق الأوسط، ووادي الموت في كاليفورنيا وصل إلى 54.4 درجة مئوية في منتصف أغسطس، بينما سجلت أوروبا موجات حر غير مسبوقة، من المملكة المتحدة إلى باريس.
ومع ذلك، لا يملك الكثيرون القدرة على تركيب مكيفات، بينما يفاقم من يملكونها المشكلة. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن الطلب على تبريد الأبنية قد يتضاعف ثلاثة أضعاف بحلول 2050 إذا لم تتخذ التدابير اللازمة.
الحلول موجودة، بحسب شورت، الذي يرى أنه من الممكن بناء عمارات مريحة في المناخات الحارة بحد أدنى من الانبعاثات الكربونية، إلا أن المعماريين غالبًا ما يواصلون اعتماد نماذج قديمة وعفا عليها الزمن.
تاريخيًا، بنيت المنازل التونسية لتخفيف الحرارة. الجدران الحجرية السميكة والباحات المغطاة بالإيوان كانت توفر الظل وتبريد الهواء قبل دخوله الغرف. لكن مع دخول الحقبة الاستعمارية عام 1881، تم التخلي عن هذه الأساليب لصالح المباني الأوروبية، التي لم تصمم لتحمل الحرارة، مع نوافذ كبيرة تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة داخل المنازل.
البرج الزجاجي الحديث يمثل التطور الأكثر تطرفًا لهذه الفكرة، حيث جرى تصميم المباني الزجاجية الكبيرة بعد الحرب العالمية الثانية بغض النظر عن المناخ، مع الاعتماد الكامل على مكيفات الهواء لجعل الداخل متشابهًا ومبردًا. دبي اليوم مثال بارز على هذا النمط، بعد أن كانت تعتمد سابقًا على أبراج الرياح التقليدية لتبريد الهواء بشكل طبيعي.
اعتمد معماريو اليوم على إعادة ابتكار هذه الأساليب التقليدية. في مالطا، تمكن تصميم مصنع جعة من خفض الحرارة داخل المبنى بمقدار 14 درجة مئوية باستخدام مصائد الرياح والحجارة. في الصين، استُخدمت أساليب مشابهة لتوزيع الهواء في مبانٍ شاهقة، بينما تم توظيف الأنابيب الملونة للتهوية الطبيعية في مساكن خالية من الكربون في جنوب لندن.
ويشير المعماريون إلى أن إعادة استخدام الحلول البيئية التقليدية تترافق مع إعادة الاعتبار للثقافة المحلية، حيث أصبحت المدن تسعى لاستعادة هوية معمارية مستندة إلى البيئة والمناخ، بدلاً من التكرار الأعمى للطراز العالمي.
لكن التحدي الأكبر يظل في العادات الاجتماعية، إذ يصر كثيرون على مكيفات الهواء، التي تمثل رمزًا للمكانة الاجتماعية، رغم أن التكنولوجيا القديمة قد توفر برودة كافية. كما تقول سوزان رواف، أستاذة الهندسة المعمارية في جامعة هيريوت-وات: “لقد خُدعنا بصناعة التكييف التي تبث أسطورة أن الراحة لا تتحقق إلا بين 20 و26 درجة مئوية”، مؤكدة أن الإنسان قادر على التأقلم مع نطاق أوسع من درجات الحرارة، وربما يحتاج الأمر إلى ثورة ثقافية لتخفيف اعتمادنا على مكيفات الهواء.
المصدر : حبر

