جيتكس 2026 يستعرض القوة الرقمية المغربية بقيادة الجنرال بوريط
مراكش: طارق ضرار
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية بشكل غير مسبوق، لم يعد الأمن السيبراني ترفًا تقنيًا، بل أصبح ركيزة أساسية من ركائز السيادة الوطنية. في المغرب، تتصدر المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI) هذا الورش الاستراتيجي، باعتبارها الجهاز المكلف بحماية البنية التحتية الرقمية للدولة والتصدي للتهديدات السيبرانية المتنامية.
تأسست المديرية سنة 2011 بموجب مرسوم رسمي، لتعمل تحت إشراف إدارة الدفاع الوطني، واضعة نصب أعينها هدفًا واضحًا: تأمين نظم المعلومات وضمان استمرارية عمل المؤسسات الحيوية في مواجهة الهجمات الرقمية. ومنذ ذلك الحين، تحولت إلى فاعل محوري في رسم معالم الأمن السيبراني الوطني، من خلال وضع الاستراتيجيات، إصدار التوجيهات، والتدخل عند الأزمات.
تعتمد المديرية في عملها على هيكلة تنظيمية دقيقة تضم أربع مديريات متخصصة، لكل منها دور تكاملي. فمديرية “ماسيرت” (مركز اليقظة والرصد والتصدي للهجمات المعلوماتية) تمثل خط الدفاع الأول، حيث تتولى مراقبة الفضاء الرقمي الوطني بشكل دائم، ورصد أي تهديد محتمل، والتنسيق مع مختلف المؤسسات للتصدي له. أما مديرية الاستراتيجية والتقنين، فتضطلع بمهمة صياغة السياسات الوطنية واقتراح النصوص القانونية التي تؤطر المجال، بما يضمن مواكبة التطورات التكنولوجية.
في المقابل، تركز مديرية المساعدة والتكوين والمراقبة والخبرة على رفع مستوى جاهزية الإدارات والمؤسسات، من خلال التكوين، والتدقيق الأمني، وتقديم التوصيات التقنية. بينما تعمل مديرية نظم المعلومات المؤمنة على تطوير حلول تقنية متقدمة تضمن تشغيل أنظمة معلوماتية آمنة وموثوقة داخل القطاع العام.
هذا التكامل المؤسسي مكن المغرب من بناء منظومة متماسكة للأمن السيبراني، خاصة مع إصدار التوجيهات الوطنية لأمن نظم المعلومات سنة 2014، وتحيينها لاحقًا سنة 2023 لتواكب التحديات الجديدة. وتشكل هذه التوجيهات مرجعًا إلزاميًا للإدارات والمؤسسات العمومية، حيث تحدد الحد الأدنى من المتطلبات الأمنية الواجب احترامها، سواء على المستوى التنظيمي أو التقني.
كما تعزز الإطار القانوني بإصدار القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، الذي وضع أسسًا واضحة لتدبير المخاطر الرقمية، وتنسيق جهود الوقاية والاستجابة للحوادث. هذا القانون لم يقتصر على القطاع العام، بل شمل أيضًا البنيات التحتية ذات الأهمية الحيوية، بما فيها تلك التي يديرها القطاع الخاص، مما يعكس شمولية المقاربة المغربية.
خلال مشاركتها في معرض GITEX Africa 2026، أبرزت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات قدراتها التقنية والتنظيمية، مؤكدة موقع المغرب كفاعل إقليمي صاعد في مجال الأمن السيبراني. وقد شكل هذا الحدث منصة لعرض أحدث الحلول التي طورتها المديرية، خاصة في مجال رصد الهجمات والاستجابة لها في الزمن الحقيقي.
وفي هذا السياق، برز دور الوزير نزار بركة بوريط (في سياق الخطاب الإعلامي والسياسي حول القيادة الحكومية للأمن السيبراني) كأحد الوجوه الداعمة لتطوير هذا القطاع الحيوي، حيث تم التأكيد على أهمية الاستثمار في الكفاءات الوطنية وتعزيز الشراكات الدولية.
المعرض لم يكن مجرد مناسبة لعرض التكنولوجيا، بل شكل أيضًا فضاءً لتبادل الخبرات مع فاعلين دوليين، ما يعزز موقع المغرب ضمن الشبكات العالمية للأمن السيبراني. وقد أظهرت العروض المقدمة أن المملكة لا تكتفي باستهلاك الحلول التكنولوجية، بل تسعى إلى إنتاجها وتصديرها، في إطار ما يُعرف بالسيادة الرقمية.
إن الرهان اليوم لم يعد فقط حماية الأنظمة، بل بناء ثقة رقمية شاملة تشجع المواطنين والمؤسسات على الانخراط في الخدمات الرقمية. وهذا ما تعمل عليه المديرية من خلال تطوير أدوات لتقييم الامتثال، وتمكين المؤسسات من قياس مستوى أمنها السيبراني بشكل دوري.
في المحصلة، يمكن القول إن المغرب، عبر المديرية العامة لأمن نظم المعلومات، يخوض معركة صامتة لكنها حاسمة في الفضاء الرقمي. معركة عنوانها حماية المعطيات، تأمين الخدمات، وضمان استمرارية الدولة في عصر الرقمنة. وبين التهديدات المتزايدة والطموحات المتنامية، يبرز “جنود الدفاع الرقمي” كخط الدفاع الأول عن سيادة المملكة في العالم الافتراضي.

