في خضم الجدل الذي أعقب نهاية مشوار المنتخب الوطني في نهائيات كأس أمم إفريقيا المغرب 2025، عاد السؤال القديم في ثوب جديد: هل يكون المدرب هو الضحية الأولى لأي تعثر، أم أن المشروع الكروي برمته هو من يدفع الثمن؟ وبين الدعوات إلى رحيل وليد الركراكي، وأصوات التمسك به، تتقاطع الحسابات العاطفية مع منطق النتائج، وتختلط الرغبة في التغيير بهاجس الاستقرار.
إذا تحدثنا بلغة الأرقام لا الانفعالات، فإن الركراكي أوصل المنتخب إلى نهائي “كان” 2025، أي إلى أبعد نقطة ممكنة قبل التتويج. منطق الرياضة يقول إن بلوغ النهائي نجاح رياضي معتبر، خصوصا في بطولة إفريقية لا تعترف بالتاريخ ولا ترحم الكبار.
والأهم أن عقد الناخب الوطني – وفق المعطيات المتداولة – لم يتضمن شرطا ملزما بالفوز بالكأس، بل بتحقيق مسار تنافسي مشرف. وبذلك، فإن معيار التقييم ينبغي أن يكون موضوعيا: هل تراجع المنتخب مقارنة بما كان عليه؟ أم حافظ على تنافسيته القارية والدولية؟
لا يمكن عزل تجربة الركراكي عن ملحمة كأس العالم 2022 بقطر، التي صنعت تحولا جذريا في صورة الكرة المغربية عالميا. الوصول إلى نصف النهائي لم يكن صدفة تكتيكية عابرة، بل تأسيسا لثقافة جديدة عنوانها الجرأة والانضباط والإيمان بالقدرة على مقارعة الكبار. ذلك الإنجاز لم يكن لحظة عابرة في تاريخ المنتخب، بل شرارة أطلقت دينامية شاملة في كل الفئات.
بعد قطر، توج منتخب أقل من 17 سنة قاريا، كما أحرز منتخب أقل من 23 سنة كأس أمم إفريقيا، وواصلت الفئات السنية حضورها القوي في المحافل الدولية، وهو ما يعكس أن “الإلهام المونديالي” لم يكن شعارا إعلاميا، بل أثرا ممتدا في البنية الذهنية والتنظيمية للكرة الوطنية. في هذا السياق، يصبح الركراكي جزءا من مرحلة، لا مجرد مدرب لبطولة واحدة.
لكن في المقابل، هناك من يرى أن المنتخب بلغ سقف هذا المشروع، وأن التغيير سنة كونية في كرة القدم. يستحضر البعض تجربة البوسني وحيد خليلوزيتش، الذي صنع جيلا تنافسيا وأهل المنتخب إلى المونديال ثم غادر قبل الحصاد. هنا يطرح السؤال بحدة: هل نعيد السيناريو نفسه؟ نصنع جيلا ونغير الربان في اللحظة الحاسمة؟ أم أن الاستقرار هو الضامن الحقيقي لتحويل الإنجازات إلى ألقاب؟
الضحية الأولى لأي قرار متسرع ستكون صورة المشروع نفسه. حين تتضارب الأخبار حول تعيين مدرب جديد، مثل ما أثير بخصوص محمد وهبي، قبل صدور موقف رسمي واضح، فإن الرسالة التي تصل إلى اللاعبين والجمهور هي أن البيت الداخلي غير مستقر. والمنتخب الوطني، في هذه المرحلة الدقيقة، يحتاج إلى وضوح الرؤية أكثر من حاجته إلى عناوين مثيرة.
الخاسر الأكبر من رحيل الركراكي – إن تم – قد يكون عامل الاستمرارية. اللاعبون الذين تشكلت بينهم وبين المدرب علاقة ثقة تكتيكية ونفسية سيضطرون إلى التأقلم مع فلسفة جديدة. أما الرابح الأكبر من بقائه فهو الاستقرار، خصوصا أن الجيل الحالي ما يزال في أوج عطائه، ويحتاج إلى من يعرف تفاصيله الدقيقة.
في المقابل، قد يرى أنصار التغيير أن الرابح الأكبر من الرحيل هو “الصدمة الإيجابية” التي قد تعيد شحن الطموح. لكن التجارب تثبت أن الصدمة لا تنجح دائما، وأن تغيير المدربين ليس وصفة سحرية، بل مقامرة قد تربح وقد تخسر.
نحن إذن أمام لحظة “أكون أو لا أكون”، ليس لشخص المدرب فقط، بل لفلسفة التسيير ككل. هل نؤمن بمشروع طويل النفس، يقبل التعثر كجزء من المسار؟ أم نعود إلى منطق النتائج الفورية الذي يستهلك المدربين كما تُستهلك الأخبار العاجلة؟
في النهاية، وليد الركراكي ليس فوق النقد، كما أنه ليس شماعة تُعلَّق عليها كل الإخفاقات. هو جزء من منظومة نجحت في نقل المغرب إلى مصاف الكبار، وبلوغ نهائي إفريقيا دليل على أن المنتخب لم يتراجع. القرار، أيا كان، ينبغي أن يُبنى على تقييم هادئ، لا على ضغط لحظة غضب.
فالكرة المغربية اليوم تقف عند مفترق طرق، إما أن تحافظ على روح قطر وتبني عليها، أو تدخل في دوامة التغيير الدائم. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحا: من الضحية الحقيقية؟ ومن يملك شجاعة حماية المشروع قبل الأشخاص؟

